الأربعاء ٢٦ آب (أغسطس) ٢٠٢٦
بقلم صالح مهدي محمد

عتبة النور

ليس لأنَّ النور
كان يبحث عن اسمٍ
حين انحنى في البدء،
ولا لأنَّ الجهات الأربع
أضاعت حدودها
فاستدلّت بقلبٍ
ما كان له حدّ.

كان السرّ
قبل أن تتعلّم الأشياءُ أسماءها،
وكان الصمتُ
يخبّئ في جوفه
صوتًا سيأتي
فتصير به المسافةُ
أقرب من نبضة.

محمد...
ليس حرفًا في كتاب الإشراق،
بل الصفحة التي
تذكّر فيها النورُ
أن له قلبًا.

في حضرته
تتراجع الجهات،
يخلع المكانُ
جسده الحجري،
وتصير الأرض
كفًّا مفتوحة
نحو السماء.

هو العابر
من ضيق التراب
إلى سعة المعنى،
ومن ليل الوجود
إلى فجرٍ
لم يسبق للفجر قبله
مقياسٌ.

كلما حاولتُ
أن أرسمه
بالكلمات،
تكسرت الكلمات
على عتبة الغيب.

فأترك البياض
يتكلم...
وأترك في البياض
مقامًا
لا تبلغه اليد،
ولا تحيط به العبارة.

يا خاتم الرسل،
يا من مررتَ
فاستيقظت في الطين
ذاكرةُ السماء،
يا من جعلتَ الرحمة
لغةً تمشي على الأرض،
وصار اليتيم
في عهدك
ليس فقدًا،
بل أمانًا.

كان العالم
يضع الأقنعة
على وجهه،
فجئتَ
بوجهٍ لا يحتاج قناعًا.

وكانت القلوب
تتقاتل على الظلال،
فرفعتَ لها
نافذةً من نور،
فأبصرت
أن الإنسان
أوسع من خوفه.

يا محمد...
في اسمك
شيءٌ لا يستقر،
كأن الحروف
كلما اقتربت منك
صارت طيورًا
وتاهت في الجهات.

أنتَ
المسافة التي
لا تُقاس،
والقرب الذي
لا يحتاج إلى مكان،
والرحمة التي
إذا مرّت على حجر
تركته
أكثر رقةٍ وعطفٍ.

فيك
كان التراب
يتذكر أصله،
وكانت السماء
تنصت للأرض،
وكانت الروح
تجد بابها
بعد عمرٍ من التيه.

يا نبي الهدى،
ما أنتَ
إلا سرٌّ
أودع الله فيه
من رحمته
ما يكفي
لأن يظل العالم
قابلًا للحب.

وحين تضيق بنا
ممرات الحياة،
وحين يصير الليل
أكثر من ليل،
يبقى اسمك
نافذةً خفية،
لا يراها
إلا قلبٌ
أطفأ ضجيجه.

محمد...
يا نبيًّا
لم يأتِ ليزيد العالم
حروفًا،
بل ليعيد للإنسان
معناه.

يا رحمةً
تجاوزت حدود القبائل
والأزمنة
والجهات.

يا وجهًا
إذا مرّ في ذاكرة الروح
سقط عنها
غبار القرون.

أقف أمامك
ولا أقول شيئًا.

فالمديح
حين يبلغ ذروته
يصمت.

والحب
حين يعجز عن الوصول
يصلّي.

والكلمات
حين ترى مقامك
تضع تاجها جانبًا
وتجلس
على عتبة النور.

يا محمد،
كلما أظلمت جهة،
وكلما ضلّ قلب،
وكلما بحث الإنسان
عن نفسه...
وجدك في الرحمة
طريقه.


أي رسالة أو تعليق؟

مراقبة استباقية

هذا المنتدى مراقب استباقياً: لن تظهر مشاركتك إلا بعد التصديق عليها من قبل أحد المدراء او المديرات.

من أنت؟
مشاركتك

لإنشاء فقرات يكفي ترك سطور فارغة.

الأعلى