الأحد ٢٣ آب (أغسطس) ٢٠٢٦
بقلم صالح مهدي محمد

شاي بلا سكر

هبط الشتاء في ذلك العام ثقيلًا، كعبءٍ من غيم رطب؛ يتسلل إلى العظام ببطء لزج يقيس صبر الأجساد قبل أن يستقر فيها، ويترك في أطراف الأصابع رجفة خفية تُحَسُّ ولا تُرى. خلت موائدنا إلا من طعم خبزٍ معجونٍ بشعير خشن ومخاليط غامضة، قيل إنها بقايا نَوَى تمر مطحون.

في صباح من عام 1992، أفقت على إيقاع يد أمي وهي تحرك الموقد الفخاري في زاوية الباحة، توقظ جمراً خامداً مثلما توقظ نهاراً متعباً. خلا البيت من الغاز والنفط الكافي لإحياء الموقد الكبير، فتعالقت في الهواء رائحةٌ مزيجها حطب مبتل ودخان يابس وذاكرة جائعة. تنفخ أمي في النار طويلاً بإصرار يشبه رجاءً خافتاً، مفاوضةً الجماد كي يمنحنا دفأه. تقلب العجين بأصابع أنهكها الانتظار، وتلقي بالحطب الأخضر الذي يشتعل على مهل يشبه الأعمار الثقيلة؛ يتلوى الدخان كثيفاً، يصعد إلى عينيها فيفيضهما دما، ثم تخرج أقراص الخبز غير ناضجة، بلون معلق بين الرماد والأمل، ترافقها مرارة الشاي بلا سكر؛ طعمٌ يتقن القسوة.

استيقظنا على فراغ الأنابيب؛ انقطع الماء تماماً مشكلاً شرياناً مبتوراً يمد ظلاله في كل بيت. حملت الأواني البلاستيكية والدلاء المعدنية الثقيلة، وانطلقت مع أخي الصغير نحو النهر البعيد. في الطريق، تمور الشوارع بمشهد يخرج من الذاكرة إلى الوجع المباشر: تتدافع أسراب الناس نحو الشاطئ؛ أطفال ونساء ورجال يجرون عربات خشبية تئن تحت ثقل العبوات الفارغة، أو يحملون الأواني على أكتافهم كأنهم يحملون أيامهم.

عند ضفة النهر، يقف المشهد كاختصار مكثف لأعوام من الألم؛ هياكل متفحمة، مبان مهدمة، وآثار القصف قائمة كأشباح حجرية تطل على ماء يتناقص. وبرغم ذاكرة الخراب، ينحني الناس على الجرف الحاد ليبلغوا الماء، يملؤون أوانيهم بعجلة تفضح خوفهم من الندرة، ثم يصعدون التل الترابي حيث ينسكب نصف ما جمعوه قبل أن يبلغ بيوتهم، فيعود بعض الجهد إلى الأرض، ويتحول العطش إلى معنى أشد مرارة.

مر رجل يحمل شباك غرفته، يمضي به نحو ورشة حداد ببطء يوقف الناظرين. وقفنا نستمع إلى حديثه؛ يساوم على ما يحجب عنه البرد ليشتري ما يسد الرمق، وقال بصوت متكسر: "وضعتُ كِيسَ أَرُزٍّ فارغاً وسددت به النافذة، لعله يصد هذا البرد القاسي". هز الحداد رأسه طويلاً، يقيس ثقل الحديد بثقل الحاجة.

في طريق العودة، مررت برجل يجلس عند رأس الشارع، أمام طاولة بيع خشبية تضم بضع علب سجائر. عجز الجميع عن شراء علبة كاملة بعد أن تحولت الأسعار إلى أرقام منفصلة عن القدرة؛ فانتقل البيع إلى المفرد: ثلاث سجائر تقاس كأنها نصيب يوم كامل؛ واحدة للصباح عند الاستيقاظ، وأخرى للظهيرة تسكن صداع الفقر، وثالثة للمساء تطفئ ما تبقى من صبر يتآكل. وقف رجل بمعطف مهترئ، يقلب في كفه نقوداً باهتة، يدفع ثمن سيجارة واحدة، يشعلها بزفرة طويلة تختصر العالم.

في زقاق قريب، يحمل رجلان الماء بصمت ثقيل. قال أحدهما وهو يمسح جبينه: "صار النهر أقرب من بيوتنا، ومع ذلك نعود بنصف ما نريد". أجابه الآخر وهو يثبت الدَّلْوَ على كتفه بينما يبلل الماء ملابسه الرثة: "البعيد هو العيش نفسه، كل شيء صار يقاس بالانتظار". تنهد الأول وقال: "الحصار لم يترك لنا حتى تعبنا، صرنا نتعب لنعيش، ونعيش لنتعب". لحق بهما ثالث، أشار إلى بيت مثقوب الجدران وقال: "هنا سقطت القذيفة... لم يبق شيء، حتى الصمت تصدع". فسكتوا، كأن الركام قد يصغي.

عدت عصرا، والماء لا يبلغ إلا قعر الإناء. جلسنا حول صينية صغيرة، يتسلل نصف الضوء من شباك مغطى بكيس أرز فارغ بديلاً للزجاج. تناولنا عشاءنا القليل بصمت يليق بالندرة، تتخلله ضحكة أبي المكسورة وهو يمازحنا عن ابتكارات أمي في الطهو من لا شيء.

وحين أطفأنا المصباح النفطي ليلاً توفيراً للنفط، لم ينطفئ الضوء تماماً؛ بقي شيء منه عالقاً في الداخل، لم يغادرنا النهار بل انكمش في صدورنا. أدركت عندها أن اليوم أوقات أخرى تضاف إلى ما سنحمله طويلاً، وأن ما نعيشه تدريب خفي على احتمال ما لا يحتمل، وأن الأمل مهما بدا ضئيلاً يجد دائماً طريقه ليبقى... لا في الأشياء، بل فينا نحن.


أي رسالة أو تعليق؟

مراقبة استباقية

هذا المنتدى مراقب استباقياً: لن تظهر مشاركتك إلا بعد التصديق عليها من قبل أحد المدراء او المديرات.

من أنت؟
مشاركتك

لإنشاء فقرات يكفي ترك سطور فارغة.

الأعلى