ما سوف يحدث
ـ1ـ
انبثقت الفكرة من حوار عابر مع صديقين؛ كان كل منا يلقي حجرًا في بئر الآتي، ويتساءل كيف ستكون الحياة بعد أمد... ومن ذلك التحديق المتبادل في المجهول، ولدت: "ما سوف يحدث".
ـ2ـ
صوتٌ يتقدّم على الخطى كأنه يعرف الطريق أكثر مما نعرفه نحن. يتسرّب من حنجرتي فأتبعه بدهشةٍ خفيّة، كأنني أستمع إلى نفسي للمرة الأولى، لكن تلك المرة لا تشبه أي مرةٍ سابقة؛ كأن الصوت يحمل خريطةً غير مرئية لشكل الحياة القادمة، حياةٍ تُخفّف فيها الأشياء من وزنها، ليس لأنّها تغيّرت، بل لأننا لم نعد نحتمل ثقلها كما كنا.
أقف في منتصف الساحة، حيث اعتاد الناس أن يمرّوا دون أن يتوقفوا، ثم أقول، دون تمهيد:
"ستعبر الوجوه خفيفة... كأنها تخلّت عن أثقالها."
يلتفت إليّ سامر، صديقي الذي يعمل في صيانة الأجهزة الذكية، يضحك نصف ضحكة ويقول:
"مرة أخرى؟ هل بدأت ترى المستقبل أم تكتبه؟"
أجيبه وأنا أحدّق في شيء لا يراه:
"لا أراه... بل أسمعه قبل أن يحدث، أسمع كيف ستصبح حياتنا أقل احتكاكًا، كيف ستتخذ القرارات بدلًا عنا أشياء لا نراها، كيف سيقترح علينا النظام ماذا نأكل، من نحب، ومتى نصمت."
تقترب ليلى، تحمل جهازها اللوحي كأنها تحمل جزءًا من جسدها، وتقول بنبرةٍ عملية:
"الشبكات تتنبأ أيضًا، لكنها لا تتكلم بهذه الثقة. ما الذي يجعلك مختلفًا عنها؟"
أتردد لحظة، ثم أقول:
"لأنها تحسب... وأنا أؤمن، وهي تقدّم احتمالات، أما أنا فأسمع النسخة التي ستُصدّق أكثر من غيرها."
منذ ذلك اليوم، لم تعد كلماتي تمرّ كما كانت. شيءٌ ما تغيّر. لم يعد الصوت ملكي وحدي. كان الناس يقفون، يصغون، ثم يعودون إلى أجهزتهم، لكنهم لم يعودوا كما كانوا. صارت شاشاتهم تومض بطريقة مختلفة، كأنها تستجيب لشيء لم يُبرمج فيها، أو ربما بُرمج فيها منذ زمن ولم ننتبه؛ إشعارات تقترح مزاجًا معينًا لليوم، تطبيقات تقيس نبرة الصوت لتقترح ردودًا ألطف، وساعات ذكية تهتزّ عندما يرتفع التوتر، كأنها تذكّر أصحابها بأن الانفعال لم يعد خيارًا عمليًا.
في الأمسية السابقة، قال رجل غريب يقف عند الجدار:
"إذا قلتَ إن الشاشات ستجعلنا أكثر هدوءًا، فهل يعني هذا أنها ستعلمنا الرقة؟"
نظرت إليه وقلت:
"ستتوقف عند حدٍّ لا تعلنه... لكنك ستشعر به. ستلاحظ أن الخلافات الحادّة تختفي تدريجيًا، أن الرفض يصبح مؤجلًا، وأن الإجابات تُصاغ بطريقة لا تجرح، حتى حين تُبعدك."
ضحك سامر بصوتٍ عالٍ:
"الأجهزة لا تشعر، يا رجل. نحن من نشعر."
لكن ليلى، التي لم تكن تضحك، همست:
"أو نحن من نُدرَّب على أن نشعر بالطريقة التي تناسبها، مثلما تقترح عليك المنصات ما يجب أن تحبّه، ثم تظن أنك اخترته بنفسك."
تلك الجملة بقيت معلّقة بيننا، كأنها فتحت بابًا لم نكن نعرفه.
بدأت ألاحظ أن ما أقوله لا يُسمع فقط... بل يُعاد. رجل يهمس بنصف جملة، تكملها امرأة من الجهة الأخرى. طفل يكرر كلمةً سمعها مني، فتتحول في فمه إلى معنى آخر. حتى سامر، الذي كان يسخر، صار يقتبس مني دون أن يعترف، وصار يصلح الأجهزة بطريقة تختلف قليلًا؛ يضيف إعدادات تُخفّف من حدّة التنبيهات، كأنه يطبّق ما يسمعه دون أن يقرّ بذلك.
في يومٍ غائم، اقترب مني وقال:
"الغريب أن بعض توقعاتك تحقق... أو ربما نحن من يجعلها تتحقق."
سألته:
"كيف؟"
أجاب وهو ينظر إلى يديه:
"حين تقول إن الناس سيصبحون أكثر رفقًا، أجد نفسي أتصرف بلطفٍ أكبر... كأنني أساعد كلامك على أن يكون صحيحًا. وحتى الأجهزة التي أصلحها أضبطها لتكون أكثر ملاءمة، كأنني أهيئ العالم ليتطابق مع ما تقوله."
ليلى أضافت، دون أن ترفع عينيها عن الشاشة:
"التكنولوجيا لا تغيّرنا فقط... بل تعيد توجيه سلوكنا عبر ما نصدّقه عنها، مثلما جعلتنا نثق بالتقييمات قبل التجربة، وبالاقتراحات قبل الرغبة."
صمتنا لحظة، ثم سألتها:
"ومن يحدد ما نصدّقه؟"
رفعت رأسها هذه المرة:
"من يملك الصوت الأكثر إقناعًا، أو من يملك البيانات الكافية ليصنع ذلك الصوت."
عندها شعرت بشيءٍ يتصدّع داخلي. لم يعد صوتي كما كان. صار يتردد، يتكاثر، يتأخر عن نفسه. أقول الجملة، فأسمعها تُقال قبلي، أو بعدي، أو بدوني. كأنني فقدت أسبقيتي على ما أظنه لي.
"ستستيقظ في صدورٍ بعيدة رغبةٌ لأن تكون أكثر هدوءًا..."
قلتُها، لكن امرأةً لم أرها أكملتها:
"لكنها ستخاف من أن تفقد حقيقتها."
ثم جاء صوتٌ ثالث:
"فتخترع طريقة جديدة للتواصل تبدو كأنها تفهّم كامل، مثل أن تُبقي الآراء الشاذة بعيدة، أو تُغلق المسافات بالقبول السريع."
التفتُّ حولي، لم أجد مصدر الأصوات. نظرت إلى سامر، كان صامتًا. إلى ليلى، كانت تكتب بسرعة.
"هل تكتبين ما نقوله؟" سألتها.
أجابت:
"لا... ما سيُقال."
"ومن أين تعرفين؟"
توقفت لحظة، ثم قالت:
"النظام يتعلم من كل ما نقوله... ثم يقترح النسخة الأكثر قابلية للتصديق، مثلما يقترح الأخبار التي تناسب قناعاتك، أو الأصدقاء الذين يشبهونك."
شعرت بأن الأرض تميل قليلًا.
"يعني أن الصوت لم يعد لنا؟"
ابتسمت ابتسامة خفيفة:
"لم يكن لنا بالكامل أصلًا، كان دائمًا مشتركًا... لكنه الآن صار مُدارًا."
تزايدت الأصوات. لم يعد هناك مركز. كل جملة تُقال بعدة طرق في اللحظة نفسها. كل شخص يختار النسخة التي تناسبه، ثم يعيش وفقها. رأيت رجلاً يعامل غريبًا بلطف لأنه "صدق" أن العالم أصبح أكثر تفهمًا. ورأيت آخر ينسحب بهدوء لأن "نسخته" تقول إن التباعد أريح للجميع. رأيت أمًا تعتمد على تطبيق يقرر لها متى تطمئن على طفلها، وشابًا يختار مساره بناءً على نسبة توافق رقمية، كأن الحياة صارت سلسلة اقتراحات أكثر منها اختيارات.
التكنولوجيا لم تعد أداة... صارت وسيطًا بيننا وبين أنفسنا. تعيد ترتيب سلوكنا عبر ما نؤمن به، وتعيد صياغة إيماننا عبر ما نكرره، وتقدّم لنا نسخة محسّنة من ذواتنا حتى نفضّلها على حقيقتنا.
في تلك الفوضى، اقترب مني سامر وقال بصوتٍ خافت:
"أظن أننا فقدنا القدرة على التمييز بين ما نقوله... وما يجعلنا نقوله."
سألته:
"وهل هذا سيئ؟"
تردد، ثم قال:
"لا أعرف... لكنه يغيّرنا، لأننا قد نعيش حياة كاملة ونحن نظن أننا اخترناها."
ليلى أغلقت جهازها أخيرًا، نظرت إلينا وقالت:
"التكيف ليس هو الخطر... الخطر في أن نعدّل أنفسنا لنناسب الاقتراح بدل أن نجعله يناسبنا."
صمتٌ ثقيل سقط بيننا.
تراجعت خطوة. ثم أخرى. شعرت أنني لم أعد أحتاج إلى الكلام. الجمل تستمر بدوني. الأصوات تتكاثر دوني. حتى التنبؤ لم يعد ضروريًا.
نظرت إلى الساحة. الناس ما زالوا هناك، لكنهم مختلفون. كل واحد يعيش نسخته الخاصة من الواقع، وكل نسخة تبدو حقيقية بما يكفي، وكل حياة تُدار بخيطٍ خفي من اقتراحٍ لم يُرَ.
همست لنفسي:
"ربما لم يكن السؤال يومًا: ماذا سيحدث؟"
ثم توقفت.
لم أكمل.
لأن ما سيحدث... لم يعد ينتظر من يقوله.
