الثلاثاء ٨ أيلول (سبتمبر) ٢٠٢٦
بقلم إنتصار الخشت

شاي بالنعناع

تفوح من أكواب الشاي بالنعناع رائحة الذكريات ودفء البيوت الطيبة، وكأن كل رشفة تعيد رسم تفاصيل طفولية عزيزة على الروح. الشاي على طريقة الأمهات ليس مجرد مشروب دافئ، بل هو طقس يومي يعبر عن عناية خالصة وحنان صامت يتدفق مع كل قطرة، ليحضن أرواح الراحلين وكأنهم يجلسون معنا الآن.

في تلك الجلسات الهادئة، حيث تتصاعد أدخنة النعناع الأخضر المقطوف من حديقة البيت أو أصيص على النافذة، يمتزج عبق النعناع العطري بمرارة الشاي الأصيل ليصنعا طعماً فريداً لا تجده في أي مكان آخر. إن إعداد أمي للشاي كان يبدأ بهدوء مقصود، تُعدّ "البراد" بعناية، وتضبط درجات الغليان وكأنها تعزف لحناً مألوفاً، ثم تلقي بأوراق النعناع الطازجة في اللحظة المناسبة تماماً لتستقر النكهة وتملأ المكان بالسكينة والذكريات الطاهرة.

هذا الكوب الذي تصنعه أيدي الأمهات يحمل سراً لا يُحاكى؛ سر الدفء الذي يزيل تعب الساعات الطويلة، والنظرة التي ترافق تقديم الصينية وكأنها تقول إن كل شيء سيصبح على ما يرام. إنه حنين متجدد يحملنا إلى تلك الأيام البسيطة، حيث كانت أبسط الأشياء قادرة على منحنا السعادة الكاملة والأمان المطلق بقرب من نحب، ومن غابوا عن العيون وما غابوا عن القلوب بل ذابوا فيها.

حين يغلي الشاي على نار هادئة، لا يذوب فقط في الماء، بل تذوب معه سنوات كاملة من العمر؛ فالبراد هناك يشبه صندوق أسرار قديم، وحبيبات الشاي تتمدد في العتمة كأنها تعيد كتابة الحنين على وجه السماء.

أما النعناع، فيُلقى ليحضن الكوب، لتستشعر روح الغائبين في قلب الحكاية، ولترتجف رغوة الكوب طرباً وتفوح من الغرفة رائحة جنة صغيرة غادرتها الأيام وبقي عطرها، وكأننا نعيد ترتيب الهدوء والسكينة في قوالب من الدفء والوفاء لمن سبقونا.
نصبّ الكوب الأول لنحتسي معاً مذاق الطمأنينة، ونترك تعب الأيام وراءنا، مستمتعين بهدأة اللحظة وجمال البساطة، مستحضرين طيفهم الجميل. بصُحبة الأوقات الطيبة، ودفء الروح، وبقائهم معنا في كل نبضة.


أي رسالة أو تعليق؟

مراقبة استباقية

هذا المنتدى مراقب استباقياً: لن تظهر مشاركتك إلا بعد التصديق عليها من قبل أحد المدراء او المديرات.

من أنت؟
مشاركتك

لإنشاء فقرات يكفي ترك سطور فارغة.

الأعلى