الأحد ٦ أيلول (سبتمبر) ٢٠٢٦
بقلم إنتصار الخشت

«ملحمة الحرافيش» لنجيب محفوظ

تأويل العجائبي ووظيفة الخلاص في رواية «ملحمة الحرافيش» لنجيب محفوظ

تُمثّل التقاليد السردية العربية العريقة، وفي مقدمتها «ألف ليلة وليلة»، مصدراً إلهامياً أثيلاً استقى منه الروائي نجيب محفوظ العديد من تقنياته البنائية ومضامينه الفلسفية. ولا يتوقف هذا الاستلهام عند حدود إعادة إنتاج الحكاية الشعبية أو التناص الظاهري معها، بل يتجاوزه إلى توظيف «العجائبي» و«الفانتازي» كأداة نقدية وتفكيكية للواقع والتاريخ. وإذا كانت رواية «ليالي ألف ليلة» قد اتخذت من الفانتازيا مدخلاً لمكاشفة السلطة ومساءلة المطلق، فإن رواية «ملحمة الحرافيش» (1) تأتي لتمثل الأفق الأكثر عمقاً ونضجاً في تحويل السرد العجائبي من مجرد عنصر للتسلية أو الإدهاش إلى استراتيجية رمزية لبناء أسطورة الخلاص الإنساني.

إن القراءة المتأنية لـ «ملحمة الحرافيش» تكشف عن بنية سردية قائمة على جدلية الثبات والتحول؛ حيث يُعاد إنتاج السيرة الشعبية من خلال عشر حكايات لنسل "عاشور الناجي". غير أن الكاتب، ومن خلال خطة سردية محكمة، يتخلص من جبة السيرة الهلالية أو الظاهر بيبرس بصيغتها التقليدية ليصوغ رقعة روائية حديثة. يستحوذ "العجيب" في الحرافيش على مساحة جوهرية، لكنه يتجرد من الطابع الخرافي المجرد ليغدو رمزاً للوعي البشري الباحث عن العدالة والكرامة (2). فالعدوى الوبائية التي تفتك بالحارة، والرؤى المنامية المتكررة، والمظاهر الخارقة للقوة البدنية والروحية لآل الناجي، ليست إلا أدوات سردية تُسهم في تعميق الشعور بالعجز الإنساني أمام الظلم، وفي الوقت ذاته تُبشر بإمكانية البعث والتحرر.
ينشطر العجائبي في النص إلى مستويين متكاملين؛ أولهما "العجائبي الاجتماعي" المتجسد في تحولات السلطة والفتونة وسقوط القيم داخل الحارة القاهرية، وثانيهما "العجائبي الروحي" المتمثل في التكية المغلقة التي تنبعث منها أشعار الجلال والإلهام بلغة غير مفهومة للعامة لكنها تُدرك بالوجدان. إن هذا التباين هو ما يمنح الملحمة بعداً ميثولوجياً تجريدياً يجعل من كل جيل في نسل الناجي اختباراً جديداً لفكرة الإيمان بالخلاص أو الانجراف نحو الغواية والسلطة (3).
تتضح وظيفة العجائبي في الحرافيش عبر محاور أساسية:

• العجائبي بوصفه كاسراً للزمن الدائري: حيث يتحول الخارق إلى نقطة تحول تفصم بين عهد الظلم (زمن الفتوات والسيطرة) وعهد العدل المنشود الذي يؤسس له النموذج الناجي.

• البُعد الرمزي للخلاص: لا يتحقق الخلاص في النص عبر معجزة غيبية مجردة، بل يتطلب الوعي والتضحية الإنسانية، متخذاً من "التكية" وصوت أناشيدها الخالدة ملاذاً روحياً ومصدراً يستمد منه "الحرافيش" طاقات الثورة والتجدد (4).

• التأسيس للأسطورة الحديثة: ينجح محفوظ في تحويل الواقع الاجتماعي للحارة القاهرية إلى فضاء أسطوري يتسع لأسئلة الوجود الكبرى: الخير والشر، القوة والضعف، الزوال والخلود، وأبدية الصراع بين المستبدين والمقهورين.

• التحول الدلالي للقوة: تتحول القوة البدنية من وسيلة للبطش والسيطرة لدى الفتوات إلى أداة لحماية الضعفاء وإعادة توزيع الثروة كما تجسد في سيرة عاشور الأول وعاشور الأخير (5).

إن العجائبي في «ملحمة الحرافيش» ليس مجرد زخرف شكلي أو حيلة أسلوبية للإدهاش، بل هو أفق معرفي وإستيتيكي يفتح للنص مغاليق الواقع، ويمنح الحرافيش ـ الطبقة المسحوقة ـ صوتاً يستشرف العدالة عبر متخيل سردي يدمج بين الواقعية الأسطورية والتاريخ الإنساني المستمر (6).

هوامش

(1) نجيب محفوظ: ملحمة الحرافيش، مكتبة مصر، القاهرة، 1977.
(2) تزفيتان تودوروف: مدخل إلى الأدب العجائبي، ترجمة الصادق قسومة، منشورات سويل، سلسلة بوان، رقم 73، 1970، ص ص 46-55.
(3) علي شلش: نجيب محفوظ.. الطريق والصدى، دار الشروق، القاهرة، ط1، 1990، ص 112.
(4) تزفيتان تودوروف: المصدر نفسه، ص 92.
(5) إبراهيم فتحي: نجيب محفوظ بين الواقعية والرمزية، الهيئة المصرية العامة للكتاب، القاهرة، 1982، ص 88.
(6) انظر: إبراهيم فتحي: المعجم النقدي في الأدب، المؤسسة العربية للدراسات والنشر، بيروت، ط1، 1986، ص 142.


أي رسالة أو تعليق؟

مراقبة استباقية

هذا المنتدى مراقب استباقياً: لن تظهر مشاركتك إلا بعد التصديق عليها من قبل أحد المدراء او المديرات.

من أنت؟
مشاركتك

لإنشاء فقرات يكفي ترك سطور فارغة.

الأعلى