الساحرة المدللة
في زاوية دافئة من ذاكرة البيت، كانت تخبئ ملامحها التي لم تكن عادية. لم تكن مجرد طفلة كبرت بين الجدران، بل كانت حالة استثنائية من الحب صاغها القدر بدقة.
كانت "ن" طفلة أبيها.. سرّه الصغير وعالمه الكبير. حين أنجبها، لم يرَ فيها مجرد امتدادٍ لنسله، بل رأى فيها "أمه" الراحلة. كانت تشبهها شكلاً، في تفاصيل عينيها، وفي هدوء ابتسامتها، وفي تلك الهيبة الفطرية التي كانت تطبع حضورها. أحبها الأب بحجم ذلك الحنين الجارف لأمه، ودلّلها دلالاً غبطتها عليه القلوب.
ولم يكن الشبه وقوفاً عند حدود الملامح؛ بل امتزجت الروح بالملامح بطريقة مدهشة. فقد ورثت "ن" من أبيها روحه الحرة، عناده المحمود، وكبرياءه العذب. كانت إذا تحدثت، خرجت نبرات أبيها من بين شفتيها، وإذا صمتت، رأى الجميع في عينيها عمق نظراته. كانت مزيجاً عبقرياً بين ماضٍ يحبه وحاضر يعيشه.
هذا المزيج الساحر، وهذا الدلال المفرط، كان كفيلاً بأن يثير العواصف من حولها. غار منها من غار، وضاق بتميزها في قلب أبيها من ضاق، ليس في طفولتها الفطرية فحسب، بل رافقتها تلك الغيرة الصامتة حتى في أيام كبرها ونضجها. كانوا يرون في دلالها "سحراً" يملك مفاتيح قلب الأب دون استئذان.
لكن كل تلك العواصف كانت تتكسر عند أعتاب رابطة خفية لا يفهمها سواهما. فلم تكن المسافات ولا الأيام، ولا حتى كيد العواذل بقادر على زحزحة مكانتها. ظلّت "ن" ملتصقة بروح أبيها، تلوذ بحضنه من هجير الدنيا، ويستمد هو من ابتسامتها القوة لمواجهة الحياة.
وفي اللحظات التي يشتد فيها صخب العالم، كانت تهمس لمرآتها وللسماء بيقين لا يتزعزع:
"أبي ملتصقاً بروحي.. فكيف لي أن أنكسر؟"
دمتم بود
