الخميس ٣ أيلول (سبتمبر) ٢٠٢٦
بقلم سليمان أحمد عبد الدايم

حين يصبح الوقت سلعة

اقتصاد الانتباه في عصر لا يتوقف

كان الإنسان، عبر التاريخ، يقيس ثروته بما يملك من أرض، أو ذهب، أو تجارة. ثم جاءت الثورة الصناعية فجعلت الإنتاج هو معيار القوة. أما اليوم، فقد ظهرت ثروة جديدة لا تُستخرج من المناجم، ولا تُخزن في البنوك، بل تُنتزع من شيء يملكه الجميع بالتساوي؛ الوقت. غير أن المفارقة تكمن في أن الوقت لم يعد يُباع ويُشترى بصورة مباشرة، بل أصبح ما يُباع حقًا هو انتباه الإنسان.

لم تعد الشركات تتنافس فقط على تقديم أفضل منتج، بل أصبحت تتنافس على أن تبقيك أطول مدة ممكنة أمام الشاشة. فكل دقيقة تقضيها في مشاهدة مقطع، أو تصفح تطبيق، أو الانتقال بين الأخبار، تتحول إلى قيمة اقتصادية. وكلما طال بقاؤك، ازدادت أرباح المنصة، حتى أصبح انتباه الإنسان واحدًا من أكثر الموارد قيمة في القرن الحادي والعشرين.
ولعل أكثر ما يثير التأمل أن هذه المنافسة لا تُرى بالعين. فلا أحد يطلب منك صراحة أن تمنحه ساعة من يومك، لكن كل تطبيق صُمم بطريقة تجعلك تؤجل الخروج منه دقيقة إضافية. إشعار جديد، ومقطع آخر، وخبر عاجل، واقتراح لمحتوى قد يعجبك، ثم تجد أن ساعة كاملة مرت دون أن تشعر كيف اختفت.

ومن هنا، تغيرت علاقة الإنسان بالوقت. لم يعد يشعر بأن يومه ينفد بسبب الأعمال الكبرى، بل بسبب عشرات اللحظات الصغيرة التي تتسرب منه في صمت. خمس دقائق هنا، وعشر دقائق هناك، ورسالة يرد عليها، ثم إشعار يلفت انتباهه، حتى تتحول الساعات إلى فتات متناثر يصعب استعادته.

وقد كان الإنسان، في الماضي، يخشى أن يضيع وقته لأنه لا يستطيع تعويضه. أما اليوم، فقد أصبح يخشى أن يفوته شيء. وهذه الفكرة وحدها غيّرت سلوك ملايين البشر. فصار كثيرون يفتحون هواتفهم ليس لأنهم يحتاجون إلى معلومة، بل لأنهم يخافون أن يكون هناك جديد لم يروه بعد. وهكذا، أصبح الخوف من الفوات أقوى من الحاجة الحقيقية إلى المعرفة.
ولم يعد هذا التأثير مقصورًا على الترفيه. فالطالب يجد نفسه يراجع هاتفه أثناء الدراسة، والكاتب أثناء الكتابة، والطبيب بين المرضى، والموظف أثناء الاجتماع، حتى أصبح التركيز العميق مهارة نادرة. فالعقل الذي يُقاطع عشرات المرات في الساعة، يفقد تدريجيًا قدرته على البقاء مع فكرة واحدة لفترة طويلة.

ومن المفارقات أن التكنولوجيا التي وعدت الإنسان بتوفير الوقت، جعلته يشعر بأنه لا يملك منه ما يكفي. فالأدوات أصبحت أسرع، لكن الإيقاع أصبح أسرع أيضًا. وكلما وفرت التقنية ساعة من العمل، ملأ الإنسان تلك الساعة بعمل جديد، حتى لم يعد يسأل: ماذا سأفعل بوقتي؟ بل أصبح يسأل: كيف انتهى اليوم بهذه السرعة؟

ولا يعني ذلك أن المشكلة في الهواتف أو المنصات وحدها، فهي أدوات تحمل فوائد لا يمكن إنكارها. فقد قربت المسافات، وسهلت التعلم، وفتحت آفاقًا واسعة للإبداع والعمل. لكن الأدوات، حين تُصمم لتنافس على انتباه الإنسان باستمرار، قد تدفعه إلى أن يعيش حاضرًا متقطعًا، ينتقل فيه من فكرة إلى أخرى دون أن يمنح أيًا منها الوقت الكافي لتنضج.

وربما لهذا السبب، لم يعد الحفاظ على الوقت مجرد مسألة تنظيم للمواعيد، بل أصبح دفاعًا عن القدرة على العيش بوعي. فالوقت الذي يضيع لا يعود، والانتباه الذي يتشتت يصعب جمعه، والعمر لا يُقاس بعدد السنوات فقط، بل بعدد اللحظات التي عاشها الإنسان حاضرًا بكامل وعيه.

ولعل أخطر ما في اقتصاد الانتباه أنه يجعل الإنسان يظن أنه اختار بنفسه كل ما يشاهده، بينما تكون كثير من اختياراته قد وُجهت بخوارزميات تعرف كيف تجذب اهتمامه. ومع مرور الزمن، لا يفقد الإنسان دقائق من يومه فحسب، بل قد يفقد أيضًا القدرة على اختيار ما يستحق وقته حقًا.

وربما كانت الحكمة اليوم لا تكمن في أن نبحث عن وقت إضافي، فالجميع يملك أربعًا وعشرين ساعة، وإنما في أن نسأل أنفسنا سؤالًا مختلفًا: من يملك هذه الساعات؟ هل نحن من نقرر كيف نعيشها، أم أن آخرين قرروا ذلك بالنيابة عنا، ونحن لم ننتبه؟

وفي النهاية، يبقى السؤال معلقًا: إذا كان المال يمكن تعويضه، والممتلكات يمكن استعادتها، فما الذي يعوض دقيقة واحدة ضاعت من عمر الإنسان دون أن يدرك كيف ضاعت؟ فربما لم يعد أغنى الناس من يملك المال أكثر، بل من يملك القدرة على أن يقرر بنفسه أين يضع انتباهه... لأن من يملك انتباهك، يملك جزءًا من حياتك.


أي رسالة أو تعليق؟

مراقبة استباقية

هذا المنتدى مراقب استباقياً: لن تظهر مشاركتك إلا بعد التصديق عليها من قبل أحد المدراء او المديرات.

من أنت؟
مشاركتك

لإنشاء فقرات يكفي ترك سطور فارغة.

الأعلى