حين يصبح المستقبل تجارة من يبيعنا الخوف؟
لم يعد الخوف شعورًا عابرًا يزور الإنسان في لحظات الخطر، بل أصبح صناعة قائمة بذاتها. فكلما فتح الإنسان هاتفه، وجد من يخبره أن أزمة جديدة تقترب، أو كارثة على وشك الوقوع، أو مستقبلًا أكثر غموضًا ينتظره. حتى بدا وكأن العالم لا يكتفي بأن يعيش أزماته، بل يصنع منها سوقًا مزدهرة، يُباع فيها القلق كما تُباع السلع.
لقد كان الإنسان، عبر التاريخ، يخشى المجهول لأنه لا يعرفه. أما اليوم، فهو يخشى المستقبل لأنه يعرف عنه أكثر مما ينبغي. فالتوقعات الاقتصادية، وتحليلات الأسواق، وتقارير المناخ، وتنبؤات الذكاء الاصطناعي، والأخبار المتلاحقة، تضعه أمام سيل لا ينتهي من الاحتمالات. بعضها قد يحدث، وكثير منها لن يحدث أبدًا، لكن أثرها النفسي يقع منذ اللحظة الأولى.
ولعل المفارقة أن الإنسان لم يعد يشتري المنتجات فقط، بل أصبح يشتري الطمأنينة. فهناك من يبيع له أجهزة لأنها تحميه، وآخر يبيع له خدمات لأنها تضمن مستقبله، وثالث يقنعه بأن عليه أن يستعد لأسوأ الاحتمالات دائمًا. وليس في الحذر ما يُلام عليه الإنسان، لكن المشكلة تبدأ عندما يصبح الخوف هو الوسيلة الأساسية لإقناعه واتخاذ قراراته.
ولم تعد وسائل الإعلام بعيدة عن هذا المشهد. فالخبر المقلق ينتشر أسرع من الخبر المطمئن، والعنوان الصادم يجذب انتباهًا أكبر من التحليل الهادئ. ولهذا، أصبحت المنافسة لا تقوم دائمًا على تقديم الحقيقة، بل على تقديمها بالطريقة الأكثر إثارة. وكلما زاد القلق، زاد التفاعل، وزادت المشاهدات، وازدادت الأرباح.
ومن هنا، دخل الإنسان في دائرة لا تنتهي. يقرأ خبرًا يقلقه، فيبحث عن تفسير، فيجد عشرات الآراء المتناقضة، فيزداد ارتباكًا، ثم يبحث عن خبر آخر يمنحه اليقين، فلا يجد إلا مزيدًا من التوقعات. وهكذا، يتحول المستقبل إلى مساحة يسكنها الخوف أكثر مما يسكنها الأمل.
ولا يقتصر الأمر على الأخبار وحدها، بل يمتد إلى تفاصيل الحياة اليومية. فالطالب يخشى أن يختار التخصص الخطأ، والموظف يخشى أن تستبدل التكنولوجيا بوظيفته، ورب الأسرة يخشى أن يعجز عن تأمين حياة كريمة لأبنائه، والشاب يخشى أن يتأخر عن أقرانه في تحقيق النجاح. الجميع يركض، لكن كثيرين لا يعرفون على وجه الدقة مما يهربون.
وربما كان أكثر ما يرهق الإنسان أن المستقبل بطبيعته لا يمنح أحدًا ضمانات كاملة. فمهما بلغت دقة التوقعات، ستظل الحياة قادرة على مفاجأتنا. وقد أثبت التاريخ أن أعظم التحولات لم يتوقعها أحد، كما أن كثيرًا من المخاوف التي سيطرت على الناس انتهت دون أن تتحقق. ومع ذلك، يستمر الإنسان في استنزاف حاضره خوفًا من مستقبل قد يأتي على صورة مختلفة تمامًا.
ولا يعني هذا أن نتجاهل الأخطار أو نهمل التخطيط. فالعقل الرشيد يستعد للمستقبل، لكنه لا يسمح له بأن يسرق الحاضر. هناك فرق كبير بين التخطيط الذي يمنح الإنسان ثقة، والقلق الذي يسلبه القدرة على العيش. فالأول يبني، أما الثاني فيستهلك طاقته قبل أن تبدأ المعركة.
إن أخطر ما يفعله الخوف أنه يقنع الإنسان بأن الحياة الحقيقية ستبدأ غدًا، بعد أن يطمئن، أو يجمع المال الكافي، أو يضمن النجاح، أو يختفي الخطر. لكن ذلك الغد يبتعد كلما اقترب منه، لأن الحياة لا تعرف اليقين الكامل، ولا تمنح أحدًا وعدًا بأن المستقبل سيكون كما رسمه.
وربما لهذا السبب، فإن أكثر الناس اتزانًا ليسوا أولئك الذين لا يخافون، بل أولئك الذين لا يسمحون للخوف بأن يقود حياتهم. إنهم يدركون أن المستقبل لا يُشترى، ولا يُباع، ولا يمكن السيطرة عليه بالكامل، وأن أفضل ما يمكن للإنسان أن يفعله هو أن يحسن صناعة يومه، لأن الغد يولد دائمًا من الحاضر.
وفي النهاية، يبقى السؤال معلقًا: هل أصبح الإنسان يستعد للمستقبل، أم أصبح يعيش أسيرًا له؟ فربما لم تكن المشكلة أن المستقبل يحمل كثيرًا من المجهول، بل أن هناك من اكتشف أن بيع الخوف منه... تجارة لا تخسر أبدًا.
