الخميس ١٣ آب (أغسطس) ٢٠٢٦
بقلم سليمان أحمد عبد الدايم

حين تصبح الشهرة هدفًا

حين تصبح الشهرة هدفًا من صناعة الإنجاز إلى صناعة الظهور

لم يعد الإنسان في عصرنا يحلم دائمًا بأن يكون الأفضل، بل أصبح يحلم بأن يكون الأكثر ظهورًا. فهناك فرق كبير بين من يسعى إلى أن يترك أثرًا، ومن يسعى إلى أن يلفت الأنظار. الأول ينشغل بما يقدمه، أما الثاني فينشغل بمن يراه. وربما كانت هذه واحدة من أكثر التحولات هدوءًا وتأثيرًا في المجتمع الحديث؛ إذ انتقلنا، دون أن نشعر، من تقدير الإنجاز إلى تقدير الظهور.

في الماضي، كانت الشهرة غالبًا نتيجة طبيعية لعمل استثنائي. فيشتهر العالم بعد اكتشافه، والكاتب بعد كتابه، والفنان بعد إبداعه، والرياضي بعد إنجازاته. أما اليوم، فقد أصبح الطريق معكوسًا في كثير من الأحيان. فالبعض يبحث أولًا عن الشهرة، ثم يبدأ في التفكير فيما يمكن أن يقدمه بعد ذلك. وكأن الظهور أصبح غاية، لا نتيجة.

ولعل السبب في ذلك أن وسائل التواصل الاجتماعي غيرت مفهوم النجاح نفسه. فلم تعد قيمة الإنسان تقاس فقط بما ينجزه، بل بعدد متابعيه، وحجم التفاعل مع ما ينشره، وعدد المرات التي يظهر فيها على الشاشات. وهكذا، أصبح من الممكن أن يعرف الملايين شخصًا لم يقدم إنجازًا حقيقيًا، بينما يبقى صاحب علم أو موهبة أو مشروع مؤثر بعيدًا عن الأضواء.

ومن هنا، بدأت معايير التقدير تتغير. فأصبح السؤال الذي يتكرر ليس: ماذا أنجز؟ بل: كم شخصًا يعرفه؟ وشيئًا فشيئًا، تحولت الشهرة إلى سلعة، يمكن صناعتها بالتكرار، أو بالإثارة، أو بالجدل، أو حتى بالخطأ المتعمد. ولم يعد المهم أن تكون مفيدًا، بل أن تكون حاضرًا باستمرار.

ومن المفارقات أن الشهرة لم تعد تحتاج إلى سنوات من العمل كما كان يحدث في الماضي. فقد يصنع مقطع لا يتجاوز دقيقة واحدة اسمًا يتردد في كل مكان، ثم يختفي صاحبه بعد أسابيع، ليأتي غيره في دورة لا تتوقف. وأصبحت سرعة الانتشار تفوق، في كثير من الأحيان، قيمة المحتوى نفسه. فالخوارزميات تكافئ ما يجذب الانتباه، لا ما يضيف إلى المعرفة.

ولا يعني ذلك أن الشهرة في ذاتها أمر سلبي. فهي قد تكون وسيلة لنشر العلم، أو الدفاع عن قضية عادلة، أو إلهام الآخرين. لكن المشكلة تبدأ عندما تصبح الشهرة هي الهدف النهائي. فعندها، قد يضحي الإنسان بمبادئه، أو يبالغ في إثارة الجدل، أو يقدم صورة مزيفة عن حياته، فقط ليحافظ على بقائه في دائرة الضوء.

ولعل أخطر ما في هذا التحول أنه يؤثر في الأجيال الجديدة. فكثير من الأطفال والمراهقين لم يعودوا يحلمون بأن يصبحوا أطباء أو مهندسين أو باحثين أو كتابًا، بل يحلمون بأن يصبحوا مشهورين، دون أن يعرفوا لماذا. لقد أصبحت الشهرة مهنة في نظر البعض، بينما هي في حقيقتها حالة قد تأتي وقد ترحل، ولا يمكن أن تكون بديلًا عن الرسالة أو القيمة.

وقد يدفع هذا السعي الدائم إلى الظهور الإنسان إلى إرهاق نفسه نفسيًا. فهو يعيش في قلق مستمر من تراجع التفاعل، أو انخفاض عدد المتابعين، أو انتقال الاهتمام إلى شخص آخر. فيصبح أسيرًا لنظرة الآخرين، ويقيس نجاحه بأرقام تتغير كل يوم، حتى يفقد قدرته على الاستمتاع بما يفعله بعيدًا عن التصفيق.

والغريب أن التاريخ لا يتذكر دائمًا الأكثر شهرة، بل الأكثر أثرًا. فكم من أسماء كانت تملأ الدنيا ضجيجًا، ثم اختفت دون أن تترك أثرًا يُذكر، وكم من علماء ومفكرين ومصلحين عاشوا بعيدًا عن الأضواء، لكن أفكارهم بقيت حية بعد رحيلهم بقرون. فالضوء قد يجذب الأبصار، لكنه لا يضمن البقاء.

وربما يحتاج الإنسان اليوم إلى أن يراجع السؤال الذي يقوده في حياته. هل يريد أن يعرفه الناس، أم يريد أن ينتفع الناس بما يقدمه؟ فالفارق بين السؤالين يصنع فارقًا هائلًا في طريقة العيش، وفي نوع الأثر الذي يتركه الإنسان خلفه.

وفي النهاية، يبقى السؤال معلقًا: ماذا يبقى من الشهرة عندما تنطفئ الأضواء، وتتغير اهتمامات الناس، ويأتي جيل جديد لا يعرف الأسماء التي كانت يومًا حديث الجميع؟ فربما لم يكن النجاح الحقيقي أن يراك العالم كله، بل أن تترك في هذا العالم ما يستحق أن يُتذكر، حتى بعد أن يغيب اسمك عن الشاشات.


مشاركة منتدى

  • احسنت في صميم الصواب ولاكن يجب ان نذكر ان ابنائنا واخواننا في المجتمع هم من ساهمو في هذا الشيء فمواقع تواصل الاجتماي تتبع خوارزميات ما يكمله المشاهد وتقترح للناس

أي رسالة أو تعليق؟

مراقبة استباقية

هذا المنتدى مراقب استباقياً: لن تظهر مشاركتك إلا بعد التصديق عليها من قبل أحد المدراء او المديرات.

من أنت؟
مشاركتك

لإنشاء فقرات يكفي ترك سطور فارغة.

الأعلى