الأحد ٣٠ آب (أغسطس) ٢٠٢٦
بقلم سليمان أحمد عبد الدايم

حين يصبح العمل بلا نهاية

هل سرقت التكنولوجيا وقت الراحة؟

كان العمل، في الماضي، يبدأ مع ساعات الصباح وينتهي بانتهاء الدوام. يغلق الموظف باب مكتبه، أو يغادر مصنعه، فيترك خلفه ملفات اليوم ومشكلاته حتى صباح جديد. أما البيت، فكان مساحة للراحة، والعائلة، واستعادة الطاقة. لكن هذا الحد الفاصل بين العمل والحياة بدأ يتلاشى شيئًا فشيئًا، حتى أصبح الإنسان يحمل عمله في جيبه، ويصطحبه إلى مائدة الطعام، وإلى الإجازة، وربما إلى فراشه قبل النوم.

لقد وعدتنا التكنولوجيا بأنها ستوفر الوقت، وستجعل الأعمال أكثر سرعة وكفاءة. وهذا ما حدث بالفعل في كثير من المجالات. فأصبح إرسال رسالة يحتاج إلى ثوانٍ بدلًا من أيام، وأصبح الاجتماع ممكنًا بين أشخاص في قارات مختلفة، وأصبح إنجاز المهام أسرع من أي وقت مضى. غير أن المفارقة الكبرى هي أن الإنسان، رغم كل هذا التطور، لا يشعر بأنه يملك وقتًا أكثر، بل يشعر بأنه أصبح أكثر انشغالًا من أي وقت مضى.

ولعل السبب لا يكمن في التكنولوجيا نفسها، بل في الطريقة التي أعادت بها تشكيل علاقتنا بالعمل. فالهاتف الذكي لم يعد مجرد وسيلة للتواصل، بل تحول إلى مكتب متنقل. رسالة إلكترونية قد تصل في منتصف الليل، واجتماع طارئ قد يُعقد في يوم الإجازة، وإشعار صغير قد يقطع لحظة هدوء كان الإنسان في أمسّ الحاجة إليها. وهكذا، لم يعد العمل مكانًا نذهب إليه، بل حالة ترافقنا أينما ذهبنا.

ومن هنا، بدأت الراحة تفقد معناها القديم. فلم يعد الإنسان يستريح حقًا، بل يبدل نوع النشاط فقط. يغلق الحاسوب، ثم يفتح الهاتف. ينهي اجتماعًا، ثم يراجع الرسائل. يخرج في نزهة، لكنه يظل يراقب البريد الإلكتروني خشية أن يفوته أمر مهم. ومع مرور الوقت، يصبح العقل في حالة استعداد دائم، حتى عندما يكون الجسد جالسًا في هدوء.

وقد ساهمت ثقافة الإنجاز المستمر في ترسيخ هذا الواقع. فصار الانشغال يُنظر إليه بوصفه دليلًا على النجاح، وكأن قيمة الإنسان تقاس بعدد الساعات التي يعملها، لا بجودة ما يقدمه. وأصبح كثيرون يشعرون بالذنب إذا استراحوا، أو إذا أغلقوا هواتفهم لساعات قليلة، أو إذا اختاروا أن يقضوا وقتًا مع أسرهم بعيدًا عن الشاشات.

ومن المفارقات أن التكنولوجيا، التي صُممت لتختصر الجهد، أضافت إلى الإنسان نوعًا جديدًا من الإرهاق؛ الإرهاق الذهني. فالعمل لم يعد يستهلك العضلات بقدر ما يستهلك الانتباه. والعقل الذي يتنقل طوال اليوم بين عشرات الرسائل، والاجتماعات، والتنبيهات، يفقد تدريجيًا قدرته على التركيز العميق، ويصبح أكثر عرضة للتوتر والإجهاد، حتى لو لم يقم بأي مجهود بدني يُذكر.

ولا يقتصر أثر ذلك على الفرد وحده، بل يمتد إلى العلاقات الإنسانية. فما أكثر العائلات التي تجتمع في غرفة واحدة بينما ينشغل كل فرد بشاشته. وما أكثر الأطفال الذين ينتظرون حديثًا مع آبائهم، بينما يسبقهم إشعار جديد من تطبيق العمل. ليست المشكلة في عدد الساعات التي نقضيها مع من نحب، بل في نوعية الحضور. فقد يكون الإنسان موجودًا بجسده، لكنه غائب بعقله، لأن العمل لم يغادره بعد.

ولا يعني هذا أن التكنولوجيا عدو يجب التخلص منه، فهي من أعظم منجزات العصر، وقد فتحت أبوابًا واسعة للإبداع والتعليم والتواصل. لكن كل أداة تحتاج إلى حدود. فالإنسان هو من ينبغي أن يستخدم التقنية، لا أن يصبح أسيرًا لها. وإذا فقد القدرة على إغلاق باب العمل عندما يحتاج إلى الراحة، فإن الإنتاجية نفسها ستصبح أول ضحايا هذا الاستنزاف المستمر.

وربما يحتاج الإنسان اليوم إلى أن يعيد اكتشاف قيمة الفراغ. لا الفراغ بمعنى الكسل، بل بمعنى المساحة التي يستعيد فيها توازنه، ويقرأ كتابًا بلا استعجال، أو يمشي دون أن يراقب هاتفه، أو يجلس مع أسرته دون أن تقاطعه رسالة عاجلة.

فهذه اللحظات ليست وقتًا ضائعًا، بل هي التي تمنح العمل معناه، وتمنح الإنسان القدرة على الاستمرار.

وفي النهاية، يبقى السؤال معلقًا: هل منحتنا التكنولوجيا وقتًا أكثر، أم أنها جعلتنا نملأ كل دقيقة بعمل جديد؟ فربما لم تكن المشكلة أن العمل أصبح كثيرًا، بل أننا سمحنا له بأن يعبر كل الحدود، حتى لم يعد يعرف أين ينتهي، ولا أين تبدأ الحياة.


أي رسالة أو تعليق؟

مراقبة استباقية

هذا المنتدى مراقب استباقياً: لن تظهر مشاركتك إلا بعد التصديق عليها من قبل أحد المدراء او المديرات.

من أنت؟
مشاركتك

لإنشاء فقرات يكفي ترك سطور فارغة.

الأعلى