الثلاثاء ٢١ تموز (يوليو) ٢٠٢٦
بقلم سميرة جدي

الحبر من شرياني

كان مطالبا من الجميع أن يكتب، الصحف تطلب مقالا، ودور النشر تطلب رواية والجمعيات الثقافية تدعوه لإلقاء محاضرات عن سر الإبداع.

كانوا ينظرون إلى الرجل صاحب الستين عاما بوصفه الكاتب المحظوظ الذي عرف كيف ينقش اسمه بخيوط من ذهب، بينما لم يكن هو يرى في نفسه سوى شاهد استطاع أن ينجو من حوادث كثيرة لكنها تركت الأثر بداخله.

لم يكن الحب للكتابة هو الدافع لها، بل لأنه لم يجد وسيلة غيرها ليمنع ذاكرته من الانفجار، فقد كان الإبن البكر لأسرة فقيرة. والده توفي وهو في بداية مراهقته مما جعله يترك مدرسته ليعمل كأجير في ورشة نجارة، ثم في سوق الخضار، ثم حارسا ليليا. وفي كل عمل كان يرى من الناس ما يكفي لتدوين العديد من المؤلفات، غير أنه لم يكتب شيئا، ببساطة لأنه كان في اعتقاده أن الحياة تعاش ولا تكتب.

حتى جاءت الليلة التي ماتت فيها والدته... الحبيبة الغالية.

عاد إلى البيت بعد الانتهاء من مراسم الدفن، جلس قبالة سريرها الفارغ، لم يجد من يبكيها أمامه، حتى دموعه أبت أن تحمل ما في داخله. لم يشعر إلا وهو يتناول ورقة وقلما، لا لتأليف قصة أو تنظيم شعر، بل ليحفر اسمها.... ثم توقف.
وانهمرت الكلمات بدلا من الدموع، كما ولو كانت محجوزة تنتظر لحظة التحرر.

كتب وكتب حتى أسفر اليوم الجديد عن خيوطه. ولما أعاد قراءة ما كتبه، لم يجد رثاءً لأمه، بل كان ما كتب عمراً كاملاً لم ينتبه أنه كان يحمله فوق كتفيه.

وكانت البداية للكتابة كلما فقد شيئا، حين خانه صديق، كتب.

وحين سلم ابنته لعريسها، كتب.

وحين أكلت الغرغرينة اصبعه الذي بتر، كتب.

والأغرب أنه حتى عندما ضحك من قلبه لأول مرة منذ سنوات، كتب وكأن إطلاق الضحكة البكر .... فقدٌ أيضا.

كان يشعر أن الأحداث لا تكتمل إلا إذا مرت عبر الورق، وكأن الكتابة ليست تسجيلا للحياة، بل الطريقة المثلى لفهمها.

ذاع صيته وتداولته القنوات التلفزيونية... وفي كل مرة كان المذيع يطرح السؤال نفسه: من أين تأتي بكل هذه الأفكار؟

كان يجيب مبتسما بجملة عامة عن القراءة والتجربة، لأنه كان يعلم أن الحقيقة لن تروق لأحد. كيف لا والجميع يتخيل أن الكاتب ساحر يصنع العوالم من الخيال، بينما الحقيقة أن معظم الكتاب لا يخلقون شيئا... إنما ينقذون ما أوشك ان يضيع من ذاكرتهم.

وفي إحدى الندوات الثقافية، تقدم منه شاب يحمل مسودة روايته الأولى وقال بحماس: أستاذي، أريد أن أكتب مثلك، دلني على نوع القلم الذي تستخدمه.

نظر إليه طويلا، ثم طلب منه الجلوس.

قال له: كم مرة خسرت عزيزاً؟

استغرب الشاب السؤال ثم أجاب: لا أدري... لم أفقد عزيزا بعد.

وكم حلما دفنته بيديك؟

هز رأسه بالنفي.

وكم مرة اصطنعت الابتسام حتى لا ينهار من حولك؟

ساد الصمت.

أغلق الرجل المسودة وأعادها إلى الشاب برفق ثم قال:

لا أملك قلما مختلفا، الذي يختلف هو الثمن.

ظل الشاب ينظر إليه دون أن يفهم.

فرفع الكاتب كفه وقد بدت عروقها نافرة تحت الجلد وقال بصوت خافت:

الجميع يظنون أنني أملأ قلمي بالحبر كلما فرغ... لكنهم لا يعلمون أن كل كتاب نشرته أخذ مني شيئا لن يعود. كل قصة انتزعت ذكرى، وكل رواية استهلكت عمرا، وكل صفحة كانت تعيد فتح جرح ظننت انه التأم.

ثم ارتسمت على محياه ابتسامة شاحبة وأضاف:

لهذا لا أسأل يوميا: كم كتابا كتبت؟ بل أسأل: كم بقي مني بعد كل كتاب؟

خرج الشاب يحمل مخطوطه كما دخل، لكنه لم يعد يبحث عن القلم السحري، ولا عن دار النشر ولا عن الوصفة المفقودة للنجاح.

أما الكاتب، فقد بقي وحده في القاعة، يمرر أصابعه على عروقه الزرقاء ويتمتم كأنه يحدث نفسه:
لقد أخطأوا جميعا...

لم يكن الحبر يوما في محبرتي...

فقد كان الحبر.... من شرياني.


مشاركة منتدى

  • حين يصبح الإبداع نزفًا للروح: قراءة نقدية في قصة «الحبر من شرياني» لسميرة جدي
    بقلم:
    محمود سلامه الهايشه ؛ كاتب وباحث مصري ؛ elhaisha@gmail.com

    تبدو قصة "الحبر من شرياني" للكاتبة سميرة جدي، في ظاهرها، حكاية عن كاتب بلغ الستين، ذاع صيته، وأصبح مطلوبًا من الصحف ودور النشر والمنتديات الثقافية، لكن هذا المظهر الخارجي للنجاح لا يلبث أن يتصدع أمام حقيقة أكثر قسوة: ذلك الكاتب لم يكن يكتب من فائض الخيال، وإنما كان يكتب من فائض الألم، ولم يكن القلم بالنسبة إليه أداة لإنتاج النص بقدر ما كان وسيلة لإنقاذ ما يتعرض للضياع داخل الذاكرة.
    ومن هنا تتأسس المفارقة الكبرى في القصة: كلما ازداد الكاتب نجاحًا أمام الآخرين، كان يفقد شيئًا من نفسه في الداخل. فالمجد الذي يراه المحيطون به، بوصفه انتصارًا، يراه هو سلسلة طويلة من الخسارات التي تحولت إلى كلمات.

    الكاتب الذي لم يختر الكتابة
    تبدأ القصة من مشهد يبدو مألوفًا في الحياة الثقافية: صحف تطلب مقالًا، ودور نشر تطلب رواية، وجمعيات ثقافية تدعو الكاتب لإلقاء محاضرات عن سر الإبداع. لكن الكاتبة سرعان ما تهدم الصورة النمطية للكاتب الناجح، حين تكشف أن بطلها لا يرى نفسه «الكاتب المحظوظ»، وإنما «شاهدًا» نجا من حوادث كثيرة، غير أنها تركت آثارها العميقة داخله.
    هذه البداية مهمة فنيًا؛ لأنها تنقل مفهوم الإبداع من دائرة الموهبة والنجاح والشهرة إلى دائرة التجربة والنجاة والذاكرة.
    فالكاتب لم يبدأ الكتابة لأنه كان يحلم بأن يصبح مشهورًا، وإنما لأنه كان يحمل في داخله ما يوشك أن ينفجر. لقد كان الابن الأكبر في أسرة فقيرة، وفقد والده في بداية مراهقته، واضطر إلى ترك الدراسة والعمل في مهن مختلفة، قبل أن تتراكم داخله مشاهد الحياة وتجاربها. ومع ذلك ظل يؤمن بأن «الحياة تعاش ولا تكتب».
    وهنا تضع القصة يدها على سؤال أدبي عميق: متى تتحول التجربة الإنسانية من شيء نعيشه إلى شيء نحتاج إلى كتابته؟
    الإجابة تأتي مع الموت.

    موت الأم... لحظة ولادة الكاتب
    تمثل وفاة الأم نقطة التحول الحقيقية في حياة الشخصية. بعد مراسم الدفن، يجلس الرجل أمام سريرها الفارغ، عاجزًا حتى عن البكاء. وفي هذه اللحظة تحديدًا تحدث ولادة الكاتب الحقيقية: يتناول الورقة والقلم، لا ليكتب قصة أو قصيدة، وإنما «ليحفر اسمها».
    إنها صورة شديدة الدلالة؛ فالكتابة هنا ليست ترفًا جماليًا، وإنما فعل مقاومة للموت.
    وعندما تنهمر الكلمات بدلًا من الدموع، يصبح القلم امتدادًا مباشرًا للمشاعر المكبوتة. الكتابة تقوم بوظيفة الدموع حين تعجز الدموع عن القيام بوظيفتها.
    الأكثر أهمية أن الرجل عندما يعيد قراءة ما كتب، يكتشف أنه لم يكتب رثاءً لأمه فقط، بل اكتشف أن النص حمل عمرًا كاملًا كان قد ظل يحمله فوق كتفيه.
    وهنا تتجاوز الكتابة وظيفتها التعبيرية لتصبح عملية اكتشاف للذات.
    فالكاتب لم يكن يعرف مقدار ما يحمله داخله إلا عندما بدأ يكتبه.

    الفقد بوصفه وقودًا للإبداع
    بعد ذلك ترسم القصة مسارًا لافتًا لعلاقة الكاتب بالأحداث. فكل خسارة تتحول إلى كتابة: حين خانه صديق كتب، وحين زوّج ابنته كتب، وحين فقد إصبعه بسبب الغرغرينا كتب، بل حتى عندما ضحك من قلبه لأول مرة منذ سنوات كتب، وكأن الضحكة نفسها أصبحت شيئًا يخشى فقده.
    وهنا تكمن إحدى أجمل مفارقات القصة: الكاتب لا يكتب عن الأحزان وحدها، بل يكتب لأن كل شيء قابل للفقد.
    حتى الفرح لا ينجو من هذا القلق.
    ولهذا تأتي العبارة:
    "كانت الكتابة ليست تسجيلًا للحياة، بل الطريقة المثلى لفهمها".
    وهي تمثل المفتاح الفكري للنص كله. فالكتابة ليست مرآة خارجية للأحداث، وإنما أداة لإعادة ترتيب الفوضى الداخلية. الحدث لا يكتمل بالنسبة إلى الشخصية إلا عندما يمر عبر الورق.
    إنها رؤية تجعل الكتابة شبيهة بعملية ترميم للوعي؛ فالكاتب يعيد بناء ما حدث له من خلال اللغة، ويحاول أن يمنح التجربة معنى بعد أن عاشها في صورتها الخام.

    من أسطورة «القلم السحري» إلى حقيقة الثمن
    تبلغ القصة ذروة دلالتها في اللقاء بين الكاتب العجوز والشاب الذي جاء حاملًا مخطوطته الأولى. الشاب لا يسأل عن فلسفة الكتابة ولا عن أسرار التجربة، وإنما يسأل سؤالًا ساخرًا في بساطته: ما نوع القلم الذي يستخدمه الكاتب؟
    السؤال هنا ليس عابرًا؛ فهو يمثل الوهم الذي يحيط بصورة الكاتب الناجح. الشاب يريد وصفة جاهزة، أداة سحرية، سرًا تقنيًا يمكن أن ينقله مباشرة إلى النجاح.
    لكن الكاتب يقلب السؤال إلى امتحان للخبرة الإنسانية: كم مرة فقدت عزيزًا؟ كم حلمًا دفنت بيديك؟ كم مرة اضطررت إلى اصطناع الابتسامة حتى لا ينهار من حولك؟
    وحين يكتشف أن الشاب لم يعش هذه التجارب، يعيد إليه مخطوطه قائلًا:
    "لا أملك قلمًا مختلفًا، الذي يختلف هو الثمن".
    هذه الجملة هي المركز الدلالي للقصة؛ لأنها تختصر فلسفتها كلها.
    الإبداع، في رؤية النص، ليس امتلاك أدوات خاصة، وإنما امتلاك تجربة إنسانية عميقة، والأهم القدرة على تحويل الجرح إلى معنى.
    الكتابة باعتبارها استنزافًا للذات
    تتجلى قوة القصة في تحول الرمز من «الحبر» إلى «الدم». فالكاتب يشرح للشاب أن كل كتاب نشره أخذ منه شيئًا لن يعود، وأن كل قصة انتزعت ذكرى، وكل رواية استهلكت عمرًا، وكل صفحة أعادت فتح جرح ظن أنه التأم.
    وهنا يتحول فعل الكتابة من إنتاج إلى نزف.
    الكاتب لا يخرج من الكتابة كما دخل إليها؛ إذ تترك كل كتابة أثرًا جديدًا فيه. ولذلك فإن السؤال الذي يطرحه على نفسه ليس: كم كتابًا كتبت؟ وإنما: كم بقي مني بعد كل كتاب؟
    إنها صياغة شديدة القوة لمفهوم «ثمن الإبداع».
    فالنجاح الخارجي يقاس بعدد الكتب، والطبعات، والحوارات، والشهرة؛ أما النجاح الداخلي فيبدو في النص أشبه بحساب معاكس: كم تبقى من الإنسان بعد أن استهلك حياته في الكتابة؟

    الرمز المركزي: «الشريان»
    العنوان "الحبر من شرياني" من أكثر عناصر القصة نجاحًا؛ لأنه لا يعمل بوصفه عنوانًا جماليًا فقط، وإنما بوصفه مفتاحًا لتأويل النص كله.
    فالحبر عادة مادة خارجية، والقلم أداة، والورق مساحة للكتابة. لكن القصة تلغي هذه المسافة بين الكاتب والنص؛ فالمادة التي تكتب ليست حبرًا بالمعنى التقليدي، وإنما شيء من حياة الكاتب نفسه.
    الشريان هنا رمز للحياة، والدم رمز للوجود، والحبر رمز للكلمة. وعندما تقول الشخصية في النهاية:
    "لم يكن الحبر يومًا في محبرتي... فقد كان الحبر.... من شرياني".
    فإنها تصل إلى أقصى درجات التماهي بين الكتابة والحياة.
    وبذلك يصبح الكاتب أشبه بمن يكتب بجزء من جسده، لا بجزء من أدواته.
    البناء السردي: من السيرة إلى لحظة الاعتراف
    اعتمدت القصة بناءً سرديًا بسيطًا ومباشرًا، يبدأ بالحاضر: الكاتب الشهير الذي يطلب منه الجميع أن يكتب، ثم يعود السرد إلى ماضيه، قبل أن ينتقل إلى نقطة التحول المتمثلة في موت الأم، ثم يستعرض سلسلة الخسارات التي تحولت إلى نصوص، وينتهي بمشهد الندوة والحوار مع الشاب.
    هذا البناء يسمح بتكوين صورة تدريجية للشخصية؛ فنحن لا نعرف منذ البداية سر الكتابة، وإنما نكتشفه خطوة بعد خطوة.
    واللافت أن القصة لا تعتمد على كثرة الشخصيات أو تعدد الأحداث، وإنما تجعل الشخصية الرئيسية والتجربة النفسية محور الحركة السردية.
    وهذا يتناسب مع طبيعة القصة القصيرة التي تراهن على لحظة الكشف أكثر مما تراهن على الامتداد الزمني.

    اللغة بين البساطة والتكثيف
    لغة القصة واضحة ومباشرة، وهي لغة أقرب إلى السرد التأملي منها إلى الزخرفة البلاغية الثقيلة. وتأتي قوتها من الجمل التي تحمل شحنة دلالية أكبر من حجمها اللغوي.
    من أبرز هذه الجمل: «انهمرت الكلمات بدلًا من الدموع»، و«كل قصة انتزعت ذكرى»، و«كل رواية استهلكت عمرًا»، و«كم بقي مني بعد كل كتاب؟».
    هذه التعبيرات تجعل الكتابة ذات طبيعة جسدية؛ فهي تنهمر، وتنتزع، وتستهلك، وتفتح الجروح. وبذلك تنقل القصة فعل الكتابة من المجال الذهني إلى المجال الجسدي والنفسي.

    الشخصية الرئيسية: الكاتب بوصفه ناجيًا
    لا تقدم القصة الكاتب باعتباره «عبقريًا» بالمعنى التقليدي، وإنما باعتباره ناجيًا.
    لقد عاش الفقر، وفقد الأب، وفقد الأم، وخيانة الصديق، وزواج الابنة، والمرض وبتر الإصبع، وكل تجربة من هذه التجارب تركت أثرًا في جسده أو ذاكرته. لذلك تبدو شهرته الأدبية في النهاية نتيجة جانبية لمسيرة طويلة من الاحتمال.
    وهذه الرؤية تمنح الشخصية عمقًا إنسانيًا؛ فالكاتب لا يتفاخر بتجاربه، ولا يحول آلامه إلى بطولة شخصية، بل يتعامل معها باعتبارها ثمنًا دفعه لكي يفهم حياته.

    الشاب... الشخصية النقيضة
    أما الشاب الذي يأتي بمخطوطه الأول، فيؤدي وظيفة رمزية أكثر من كونه شخصية مستقلة.
    إنه يمثل الجيل الذي يريد الوصول إلى النتيجة دون المرور بالتجربة.
    هو يبحث عن القلم السحري، بينما الكاتب يريد أن يقول له إن القلم لا يصنع الكاتب. الأدوات يمكن شراؤها، لكن التجربة لا يمكن استعارتها.
    ولهذا فإن خروج الشاب من القاعة وهو يحمل مخطوطه، لكنه لم يعد يبحث عن «القلم السحري» أو دار النشر أو وصفة النجاح، يمثل تحولًا داخليًا مهمًا.
    لقد دخل الشاب باحثًا عن سر الكتابة، وخرج وقد بدأ يفهم سر التجربة.

    النهاية: اكتمال الدائرة
    النهاية هي أكثر أجزاء القصة وضوحًا من الناحية الرمزية، إذ يعود الكاتب إلى عروقه الزرقاء، ويقول في نفسه: «لقد أخطأوا جميعًا»، ثم تأتي الجملة الأخيرة لتكشف حقيقة العنوان.
    إنها نهاية دائرية؛ فالقصة بدأت بصورة الكاتب الذي يظنه الناس صاحب حظ وموهبة، وانتهت بكشف الحقيقة: الكتابة لم تكن مصدر مجده فقط، بل مصدر استنزافه أيضًا.
    وهنا يتحول «الحبر من شرياني» من مجرد استعارة إلى خلاصة وجودية: الكاتب يكتب من حياته، ولذلك فإن كل نص ناجح هو في الوقت نفسه قطعة من عمره.

    قراءة أعمق: هل الكتابة علاج أم جرح جديد؟
    يمكن النظر إلى القصة من زاوية أخرى أكثر مأساوية.
    فالكتابة تنقذ الكاتب من انفجار الذاكرة، لكنها في الوقت نفسه تعيد فتح الجروح. وهذا يجعلها علاجًا وجزءًا من المرض في آن واحد.
    لقد بدأ الرجل الكتابة لكي يمنع ذاكرته من الانفجار، لكنه ظل يعود إلى الجروح نفسها مع كل قصة ورواية وصفحة.
    وهذه المفارقة تجعل النص أكثر من مجرد حكاية عن كاتب؛ إنها حكاية عن الإنسان الذي يحاول أن يفهم آلامه عبر اللغة.
    فالكتابة لا تمحو الماضي، وإنما تمنحه شكلًا يمكن احتماله.

    القيمة الفنية والفكرية
    تنجح القصة في تقديم تصور إنساني للكاتب بعيدًا عن الصورة النمطية التي تقدمه باعتباره شخصًا يجلس أمام الورق في انتظار الإلهام. فالكاتب الحقيقي، وفق رؤية النص، هو إنسان عاش، وفقد، وتألم، وفرح، ثم حاول أن يحفظ ما عاشه من الضياع.
    كما تنجح في طرح سؤال مهم حول العلاقة بين الإبداع والتجربة: هل يستطيع الإنسان أن يكتب بعمق عن أشياء لم يعشها؟
    القصة لا تقدم إجابة نظرية مباشرة، لكنها تجعل تجربة البطل تقول إن الكتابة الأكثر صدقًا هي تلك التي يكون للكاتب فيها شيء على المحك.

    ملاحظة نقدية
    ومع قوة الفكرة ورمزية العنوان والنهاية، فإن القصة تميل أحيانًا إلى التصريح بالفكرة بدل تركها تنكشف بالكامل من خلال الحدث. فبعض الجمل التفسيرية تشرح فلسفة الشخصية بصورة مباشرة، في حين كان من الممكن في بعض المواضع أن تترك الأفعال والمواقف للقارئ مهمة الاستنتاج.
    كما أن شخصية الكاتب تبدو أقرب إلى النموذج الرمزي منها إلى الشخصية المركبة ذات التناقضات الداخلية؛ فالقصة تختار بوضوح أن تجعل منه حاملًا لفلسفة معينة حول الكتابة والفقد.
    غير أن هذا الاختيار يتلاءم إلى حد كبير مع طبيعة النص القصير ذي النزعة التأملية، الذي ينصرف إلى الفكرة المركزية واللحظة الكاشفة أكثر من انصرافه إلى بناء عالم سردي واسع.

    خاتمة: حين يدفع الكاتب من دمه ثمنًا للكلمة
    "الحبر من شرياني" ليست قصة عن رجل أصبح كاتبًا مشهورًا فحسب، بل هي قصة عن الثمن الخفي للإبداع.
    فالناس يرون الكتاب، ولا يرون الخسارات التي سبقته. يرون الكلمات، ولا يرون الذكريات التي نزفت حتى تتحول إلى كلمات. يرون الشهرة، ولا يرون الأصابع التي أرهقها العمر وهي تقلب صفحات الماضي.
    ومن هنا تكمن قوة العنوان؛ فالحبر ليس في المحبرة، والكتابة ليست في القلم، والإبداع ليس في التقنية وحدها.
    الإبداع الحقيقي، في فلسفة هذه القصة، هو أن يملك الإنسان الشجاعة لكي يحول جزءًا من ألمه إلى معنى.
    لكن الكاتب يدفع الثمن.
    ولهذا تظل الجملة الأخيرة معلقة في الذاكرة بوصفها الخلاصة الأشد كثافة للنص:
    لم يكن الحبر يومًا في محبرتي... فقد كان الحبر من شرياني.
    وهكذا يصبح الكاتب، في النهاية، شخصًا لا يكتب بالحبر، وإنما يكتب بما تبقى منه.

أي رسالة أو تعليق؟

مراقبة استباقية

هذا المنتدى مراقب استباقياً: لن تظهر مشاركتك إلا بعد التصديق عليها من قبل أحد المدراء او المديرات.

من أنت؟
مشاركتك

لإنشاء فقرات يكفي ترك سطور فارغة.

الأعلى