الخميس ١٠ أيلول (سبتمبر) ٢٠٢٦

مهرجان سينما الجبل الدولي بأوزود

سعيد ايت تابيا

الجبل يسرد ذاكرته من أعلى قمة من قمم أزيلال الجبلية

ضمن فعاليات مهرجان سينما الجبل الدولي بأوزود، احتضنت أوزود، يوم الخميس 4 شتنبر، ندوة حول "الجبل في السرد المغربي"،بتنسيق مختبر السرديات جمعت بين الأدب والسينما والنقد، وفتحت نقاشا حول الطرق التي تم بها تمثل الجبل داخل المتخيل المغربي، باعتباره مكانا جغرافيا من جهة، وفضاء للذاكرة والرمز والهوية من جهة أخرى.

وقد راهنت الندوة على مساءلة الجبل خارج حضوره الطبيعي المباشر، والنظر إليه باعتباره عنصرا فاعلا في إنتاج المعنى السردي والسينمائي. وتوزعت المداخلات بين حضور الجبل في الرواية والقصة القصيرة والسينما، وبين أسئلة التخييل وبناء الفضاء وإنتاج الدلالة، وصولا إلى أبعاده الرمزية والصوفية، بما أتاح مقاربة الموضوع من زوايا متعددة ومتكاملة.

نسّق أشغال الندوة شعيب حليفي، الذي استهل كلمته بوضع المداخلات في سياق أوسع، يتصل بسؤال علاقة الأدب والسينما بالمكان، وما يتيحه هذا الأخير من إمكانات للتخييل وإعادة بناء المعنى. وفي هذا السياق، اعتبر حليفي الجبل في الأدب فضاء تتقاطع فيه الذاكرة والتخييل والهوية والثقافة، وتعددت أشكال تمثله وتحويله من مكان واقعي إلى فضاء سردي وجمالي تتداخل فيه التجربة الإنسانية مع المتخيل الفني.

استهل القاص والناقد السنيمائي مبارك حسني مداخلته بالتأكيد على حضور الجبل بوصفه لغة بصرية قادرة على إنتاج المعنى، وليس مجرد خلفية للأحداث. وذلك يكونه يتميّز بثراء بصري ودرامي، وبطبيعة صدامية مع الجسد، كما يثير في المتلقي الإحساس بالحيرة والانتظار والاكتشاف.

تنطلق الدراسة من فرضية أن صورة الجبل في السينما المغربية تتأثر بتمثلات مسبقة مصدرها الذاكرة الجماعية والتاريخ والثقافة والأدب والفنون والسينما. وتقترح ثلاثة أشكال لهذا الحضور: الجبل بوصفه تمثلا تاريخيا جاهزا، وتمثلا ثقافيا كثيفا، وتمثلا يعاد بناؤه سينمائيا. ولتحليل هذه التمثلات، قارب ثلاثة أفلام.

في الفيلم الطويل "أدور" لأحمد بيدو، يحضر الجبل باعتباره فضاء للمقاومة والشرف ومواجهة الاستعمار، بما يعكس ذاكرة تاريخية ، والفيلم الطويل "كنوز الأطلس" لمحمد أومولود العبازي، الذي يقدم الجبل بوصفه فضاء ثقافيا وإثنوغرافيا غنيا بالعادات والرموز والعمارة والذاكرة والهوية. فيما الفيلم القصير "مختار" لحليمة الورديغي، يتحول معه الجبل إلى عنصر حي داخل الحكاية، من خلال الكادر والضوء والزوايا والإيقاع والصمت وعلاقة الإنسان بالطبيعة.

وخلص في مداخلته إلى أن الجبل لا يصبح سينمائيا بمجرد ظهوره، وإنما عندما تعيد اللغة السينمائية تشكيله وتتجاوز التمثلات الجاهزة عنه لإنتاج دلالات جديدة.

من جانبه، قارب الباحث مصطفى جباري في ورقته العلاقة بين قصة ناراياما للكاتب الياباني شيتشيرو فوكازايا سنة 1956 وبين التحويل الفيلمي الذي أنجزه المخرج الياباني إمامورا للقصة نفسها سنة 1983.وبما أن القصة هي المنطلق، يقول جباري، "نعرض في البداية لدراسة البنية الموضوعاتية للنص وبناءه الفني المتفرد ومرجعياته الفكرية والروحية؛ وهي جميعا مما شكل فرادة النص في سياقه الثقافي حتى ماثله النقاد في طرافته وغرابته الجمالية برواية بيدرو بارامو على مستوى الابتكار التخييلي، وبرواية الشيخ والبحر لإرنست همنغواي من حيث القوة الأليغورية أو الأمثولية".

ومن جانب آخر عقد جباري في ورقته مقارنة بين القصة وإنجازها الفيلمي بالوقوف على التماثلات وما بقي من النص في الصورة الفيلمية؛ ثم على التغايرات من إضافات وحذوف، ثم البحث في دلالات القراءة الفيلمية الخاصة في سياق المدرسة اليابانية في القراءة السينمائية للأعمال الأدبية وطنيا وعالميا. وفي سياق تأثير النزعة الطبيعية natralisme التي هيمنت على سينما الموجة الجديدة في نهاية السبعينيات والثمانينيات من القرن الماضي.

وقدمت الباحثة لطيفة المسكيني مداخلة بعنوان "من الحضور الجغرافي إلى الرمز الصوفي: الجبل في المتخيّل الروائي المغربي وآفاقه البصرية"، سعت من خلالها إلى رصد التحولات الجمالية والدلالية لفضاء الجبل في الرواية المغربية المعاصرة، من خلال الانتقال به من مجرد معطى جغرافي ووصف مكاني إلى بنية رمزية فاعلة في إنتاج السرد وتشكيل مسارات الشخصيات. وانطلقت الباحثة من إشكالية تتعلق بكيفية تحوّل الجبل من فضاء محسوس إلى أفق رمزي وصوفي، وما يتيحه ذلك من إمكانات بصرية وسينمائية، مستندة إلى مفاهيم الكرونوتوب عند ميخائيل باختين، وعمودية المكان عند غاستون باشلار، والهيتيروتوبيا عند ميشيل فوكو. واعتمدت في ذلك مدونة روائية مغربية متنوعة شملت أعمال عدد من الروائيين المغاربة.

وكشفت الباحثة، من خلال قراءتها التحليلية، عن تدرج دلالي ينتقل فيه الجبل من حصن للمقاومة وأرشيف للذاكرة والهوية الجماعية، إلى فضاء للعبور والتأمل ومقام للتجربة الصوفية، وصولا إلى تجريده بوصفه رمزا باطنيا وعرفانيا، كما يتجلى في "جبل قاف".

تناول الباحث إبراهيم أزوغ في مداخلته "صورة الجبل الأدبي في الرواية المغربية"، مركزا على تحوله من مجرد فضاء جغرافي إلى عنصر فاعل في إنتاج الدلالة السردية. وفي هذا السياق، قارب الباحث صورة الجبل في رواية "هذيان معلم" لعلي ناصري، حيث يحضر الجبل بوصفه فضاء للعزلة والسجن والمعاناة، إذ يعكس مشقة المعلمين وتهميش المناطق الجبلية وقسوة ظروف العيش فيها، ويتحول في المتخيل السردي للرواية إلى ما يشبه قضبان سجن رهيب، بما يكرس الإحساس بالاغتراب والاختناق. كما تناول رواية "فدان الجمل" لعبد الرحيم كلموني، التي يتحول فيها الجبل إلى فضاء للتهميش والاستغلال، إذ ترتبط صورة مدينة جرادة الجبلية بذاكرة الألم والنسيان، وبمفارقة امتلاك المكان للثروات مقابل حرمان سكانه من ثمارها، ليغدو الجبل بذلك رمزا للاختلال الاجتماعي والاقتصادي وصرخة احتجاج ضد الإقصاء والاستغلال وسؤالا مؤرقا حول من يمتلك المكان ومن يستفيد من موارده، ومن يتحمل كلفة بقائه في موقع الهامش.

وانتقل أزوغ إلى مقاربة رواية "تقرير إلى الهدهد" لشعيب حليفي، مبرزا حضور الجبل في الرواية بوصفه ذاكرة للمكان وأرشيفا سرديا لتاريخ منسي ومهمش، فالجبل في رواية حليفي يحتفظ بآثار الماضي والأحداث التي عجزت الوثائق الرسمية عن حفظها، وتستعيد الرواية من خلاله ذاكرة جماعية مرتبطة بأحداث السبعينيات التاريخية في مولاي بوعزة، لتتحول الجغرافيا إلى وثيقة سردية تقاوم النسيان. مثلما أشار الباحث إلى صور الجبل في روايات استحضرت تاريخ الريف وأخرى ركزت على البعد الجمالي والايكولوجي للجبل الأدبي في روايات وثالثة ركزت على هامشية الانسان وشقائه، وكذلك سموه وعلوه وحكمته، وخلص الباحث إلى أن الجبل الأدبي في الرواية المغربية يتعدد دلاليا؛ فهو قد يكون سجنا ومعاناة، أو فضاء للتهميش والاحتجاج، أو حاملا للذاكرة والتاريخ المنسي، أو مجالا للروحاني والميتافيزيقي، وبذلك يتجاوز وظيفته المكانية ليصبح مكونا أساسيا في بناء الرؤية الروائية للعالم.

سعيد ايت تابيا

أي رسالة أو تعليق؟

مراقبة استباقية

هذا المنتدى مراقب استباقياً: لن تظهر مشاركتك إلا بعد التصديق عليها من قبل أحد المدراء او المديرات.

من أنت؟
مشاركتك

لإنشاء فقرات يكفي ترك سطور فارغة.

الأعلى