أدب الطفل: تحديات تدفع وصعوبات تمنع
مقدمة
يحتلّ أدب الطفل واليافع في المشهد الثقافي موقعا لا يقلّ أهمية عن باقي الأجناس الأدبية بل قد يفوقها خطورة، لأنه يخاطب وعيا في طور التشكّل، ويُسهم في صياغة ذائقة جيل كامل ورؤيته للعالم. غير أن هذا الحقل الحيوي يمرّ بمرحلة مفصلية في تاريخه الفكري والجمالي. إذ لم يعد مساحة حكائية للترفيه أو الوعظ المباشر بل أصبح ساحة مواجهة ثقافية وتربوية تتجاذبها قوّتان: تحديات محفزة تدفع الكاتب نحو خوض غمار الكتابة بوعي جديد ومسؤولية مضاعفة وصعوبات معرقلة تحول دون وصول هذا المنتج الأدبي إلى غايته المرجوة. هذا الوضع المزدوج يختصره عنوان هذه الورقة: "تحديات تدفع" و"صعوبات تمنع"،في ثنائية لافتة تكشف عن مفارقة عميقة يعيشها الكتاب المُوجَّه لهذه الفئة. فـ"التحديات" هنا قوى دافعة، مُحرِّضة على التجديد والمواكبة، تفرضها طبيعة العصر ومتغيراته المتسارعة، وهي تستحضر الكاتب وتستنفر قلمه ليواكب طفل اليوم بلغته وقضاياه واهتماماته. أما "الصعوبات" فهي عقبات بنيوية، موضوعية، تقف حجر عثرة أمام تحويل هذا الدفع الداخلي إلى منتج أدبي فعلي يبلغ صاحبه الحقيقي: الطفل واليافع. بين هذين القطبين، يتحرك الكاتب مشدودا بين رغبة التجديد وواقع التعطيل، وهو ما يستدعي منّا الوقوف عند كل ضفة من ضفتي هذه المعادلة الصعبة.
التحديات الداعية للابداع:
*ضرورة مواكبة التغيرات الاجتماعية والثقافية: تكتسي الكتابة لليافعين أهمية استثنائية نظرا لحساسية هذه المرحلة العمرية وتداخل المؤثرات السلوكية والتكنولوجية التي تشكل وجدان أدب اليوم. فلم تعد الكتابة ترفا فكريا بل يجب أن تكون استجابة لضرورات التحولات الاجتماعيّة والثقافية. فطفل اليوم ليس هو طفل الأمس؛ لقد تغيرت انتظاراته وتطورت مداركه بفعل التدفق المعرفي بحيث لم تعد المضامين التقليدية والأساليب الكلاسيكية القائمة على التلقين والتبسيط السطحي قادرة على إقناعه أو تشويقه وإمتاعه فقد تبدّلت بيئته الرمزية والمعرفية جذريا، بينما ظلّت كثير من موضوعات القصص وأساليبها حبيسة قوالب تقليدية عفا عليها الزمن. هذا التفاوت بين ثبات المتن القصصي وتحوّل المتلقي يخلق فجوة تُفقد النص جاذبيته وقدرته على الإقناع..فالتحدي الأول الذي يدفع الكاتب إلى الكتابة هو سدّ هذه الفجوة، بابتكار مضامين وأساليب تستجيب لانتظارات طفل يعيش في عالم مفتوح، سريع، متعدد الثقافات، ولا يقبل الوصفات الجاهزة. فيجد نفسه ملزما بتجديد أدواته الجمالية والموضوعاتية. وابتكار نصوص تحاكي بلغة عصرها قضايا العصر وتطلعات الجيل الجديد.
2 *عزوف الطفل عن الكتاب لصالح وسائط الاتصال الحديثة:
يتراجع الكتاب الورقي أمام زحف وسائط أكثر يُسرا ومرونة في توفير المعلومة والمتعة توفّر على الطفل الجهد والوقت وتمنحه إشباعا حسيّا وبصريا فوريا. هذا التحوّل ليس مجرد تفصيل تقني، بل هو تغيّر في نمط التلقي كلّه: من قراءة متأنية متسلسلة إلى استهلاك سريع ومُجزَّأ. وهذا بدوره يفرض على الكاتب تحديا مضاعفا: كيف يستعيد اهتمام طفل تعوّد على سرعة الشاشة، دون أن يفرّط في عمق الكتاب وقيمته؟
3 *الانعكاسات السلبية لاستعمال هذه الوسائط:
لا تقف الإشكالية عند حدود المنافسة، بل تتجاوزها إلى أعراض أعمق ترصدها الملاحظة التربوية: تراجع مستوى امتلاك اللغة وتطويعها، وتقلّص مساحة الخيال وتوظيفه لحساب صور جاهزة مستهلكة، وابتعاد متزايد عن الواقع الملموس. يضاف إلى ذلك ما يلاحظه المربّون من ملل سريع خلال الدرس. وتشتت في الانتباه، وسرعة في الانفعال، وفرط في الحركة، وهي أعراض كثيرا ما تُنسب إلى الاستهلاك المفرط للشاشة. هذا الواقع المقلق يحوّل الكتابة للطفل من ترف جمالي إلى ضرورة علاجية ووقائية، تسعى إلى إعادة تدريب الخيال واللغة والتركيز عبر متعة القراءة.
4 *ربط الطفل بواقعه وبيئته وقضاياها:
يبقى التحدي الأسمى الذي يدفع الكاتب هو تخليص الطفل من الانغلاق داخل عالم افتراضي معزول، وإعادة وصله بواقعه وبيئته وما يعتريها من مشكلات حقيقية: بيئية، اجتماعية، إنسانية. فالكتابة هنا لا تكتفي بالتسلية، بل تروم جعل الطفل طرفا فاعلا ومسؤولا في محيطه، قادرا على الملاحظة والتساؤل والبحث عن الحلول. وهذا ما يمنح أدب الطفل بعده التربوي الأصيل: أن يُنشئ وعيا، لا أن يُخدّر إحساسا.
الصعوبات التي تمنع:
إذا كانت التحديات السابقة تدفع الكاتب نحو مشروع كتابي طموح، فإن صعوبات أخرى، غالبا خارجة عن إرادته، تحدّ من هذا المشروع أو تعطّله كليا.
1 *أزمة النشر والتوزيع والتسويق:
يظلّ كتاب الطفل واليافع، في كثير من السياقات، رهين ضعف آليات التسويق والتوزيع في ظل عياب استراتيجيات احترافية لإيصال الكتاب الى الفئات المستهدفة، عدم وجود دور نشر متخصصة قادرة على مواكبة الأعمال الجيدة وتبنيها والعمل على إخراجها وتسويقها بسبب ارتفاع التكلفة ومحدودية الدعم التي يواجهها الناشر،. فالنص قد يكون مبتكرا ومتفوقا فنيا، لكنه يبقى حبيس الأدراج أو محدود الانتشار إن لم يجد من يوصله إلى قارئه الفعلي. هكذا تتحول معضلة النشر من مسألة تقنية هامشية إلى عقبة جوهرية تُفرغ الجهد الإبداعي من أثره المتوقع.
2 *الفارق الحاسم بين التعامل مع الطفل واليافع:
تكشف الممارسة الميدانية عن مفارقة دقيقة يغفل عنها كثيرون: فالتعامل مع الطفل الصغير، من حيث الترغيب في القراءة وتوجيه اختياراته، أمر يسير نسبيا، يمكن للبيت والمدرسة أن يتحكما فيه بسهولة نظرا لتبعية الطفل وقابليته لللنوجيه، أما اليافع فوضعه مختلف جذريا؛ فهو يعيش طور تكوّن الشخصية، بما يحمله من رفض وتذبذب في الاختيارات ورغبة في تأكيد الذات واستقلاليتها.هذاالتحوّل النفسي يدفعه إلى البحث عن عوالم أخرى تجذبه بغموضها وإثارتها: من أفلام وموسيقى، إلى صيحات الموضة وقصات الشعر وغيرها من رموز الهوية المراهقة المتغيّرة. ونتيجة لذلك، يقلّ إقباله على الكتاب عموما، لا لأنه لا يقرأ، بل لأن أولوياته الرمزية تنحرف نحو مصادر أخرى أكثر مباشرة في تلبية حاجته إلى الانتماء والتميّز. وهذا يضع الكاتب أمام تحدٍّ مضاعف: أن يكتب لقارئ متمرّد بطبعه، لا يُقاد بل يُستدرَج. ويجعل الاستثمار في كتاب اليافعين محفوفا بالمخاطر التجارية بالنسبة إلى الناشر مقارنة بكتب الاطفال الاصغر سنا.
خاتمة:
يتبيّن من خلال هذه الورقة أن أدب الطفل واليافع يقف اليوم على أرض مزدوجة الطبيعة أرض تدفعه إلى الأمام بفعل ضرورات المواكبة الاجتماعية والثقافية، وضرورة معالجة أعراض الإدمان الرقمي وتراجع اللغة والخيال، وضرورة إعادة ربط الطفل بواقعه وقضاياه؛ وأرض في الوقت نفسه تُثقل خطاه بفعل أزمة النشر والتوزيع، وتعقّد التعامل مع اليافع في طور بناء ذاته المتمرّدة. بين هذين القطبين يتحدد مصير الكتابة للطفل: إما أن تنكسر أمام العقبات، أو أن تتحول العقبة نفسها إلى دافع إضافي للابتكار.
ولعل الأمل يكمن بالضبط في هذه القدرة على تحويل الأزمة إلى فرصة: فالوسائط الرقمية التي تُنافس الكتاب اليوم يمكن أن تصبح غدا أداة لخدمته، عبر الكتاب الرقمي والتفاعلي والمسموع، وعبر لغة سردية جديدة تصالح الطفل مع القراءة بمنطقه الخاص لا بمنطق الماضي. كما أن تجاوز أزمة النشر والتوزيع يظلّ ممكنا متى تكاثفت جهود الكاتب والناشر والمدرسة والأسرة والدولة في مشروع مشترك يُعيد للكتاب مكانته. أما اليافع المتمرّد بطبعه، فإن أدبا يخاطب تمرّده بذكاء، ويحترم بحثه عن الذات دون أن يُصادر حريته في الاختيار، قد يكون أقدر على استعادته من متاهاته الرمزية العابرة.
فالرهان، في نهاية المطاف، هو رهان على كاتب مؤمن برسالته، قادر على أن يجعل من التحدي وقودا للإبداع، ومن الصعوبة دافعا للمثابرة، حتى يبقى للكتاب موعد دائم مع الطفولة واليفوعة، بوصفهما أرض المستقبل ومستودع الأمل.
