الأحد ٣٠ آب (أغسطس) ٢٠٢٦
بقلم هاني غيلان عبد القادر

من أخلاق الرسالات إلى صراع الجماعات

كتابٌ واحد نتلوه، وقبلةٌ واحدة نسجد إليها، ونبيٌّ واحد نصلّي عليه... ثم انقسمنا إلى قبائل من الشعارات.

المصحف واحد، لكن الجماعات التي تتحدث باسم الدين كثيرة؛ لكل منها خطابها وقياداتها وتأويلاتها، وأحيانًا خصومها الذين تراهم أبعد عن الحق منها.

تعصّبٌ يُغلق الأبواب، وتشددٌ يخنق الأنفاس، وتقديسٌ يلغي العقول، وتوظيفٌ للنصوص والمناسبات الدينية في الحشد والتعبئة؛ صورٌ تتكرر لدى تيارات مختلفة، وإن اختلفت أسماؤها ومرجعياتها.

في اليمن والعراق وسوريا، خلال سنوات الصراع، ظهرت تنظيمات وجماعات ذات مرجعيات مذهبية متعددة، لكل منها خطابها وتأويلاتها. وقد يتحدث بعض قادتها وكأن مدرسته هي الأقرب إلى الحق، وأن نصوص النصر والتمكين تنطبق عليهم دون سواهم، فيستدعي آياتٍ مثل:

﴿وَإِنَّ جُندَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ﴾

و﴿وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾.

النص واحد، لكن التأويلات متعددة؛ وكل جماعة قد تجد في النص ما يوافق مشروعها، ويمنحها يقينًا بأنها تمضي في الطريق الصحيح.

وليس غريبًا أن تتشكل بعض الحركات الكبرى على أيدي رجال في مقتبل العمر؛ فقد برز مقتدى الصدر في قيادة التيار الصدري وهو في العشرينيات من عمره، ثم أصبح لاحقًا قائدًا لجيش المهدي. كما أسس حسن البنا جماعة الإخوان عام 1928 وهو في الثانية والعشرين من عمره.

لكن المشكلة ليست في حداثة سن القائد؛ فالشباب ليس عيبًا، وإنما في السلطة التي قد تُمنح لشخص دون مساءلة، وفي قدرة التنظيم على تحويل يقين قائده، أيًّا كان عمره، من اجتهاد بشري قابل للخطأ إلى حقيقة ملزمة للآخرين.

غير أن السنين العجاف التي صنعتها مغامرات أصحاب الرايات تحكي لنا شيئًا آخر.

فاليتيم والجريح والنازح لم يسألوا يومًا عن مذهب من استقبلهم، ولا عن انتماء من فتح لهم الباب. كانوا يبحثون عن قلب رحيم، وكفّ تمتد، وماء ودواء ومأوى.

المكلوم يبحث عن كفّ تمتد، والتيارات تبحث عن كفوف تُصفّق.

تلك هي المفارقة.

في المحن تتراجع الدعاوى العريضة، ولا يبقى في الواجهة إلا الفعل الإنساني.

وفي اليمن، عرف الناس طويلًا أن المسجد يمكن أن يجمع الشافعي والزيدي في صف واحد، وأن التعايش الاجتماعي كان أوسع من حدود الاختلاف المذهبي.

وفي ريدة بمحافظة عمران، ومنطقة القاع، وحارات صنعاء القديمة، عاش يهود اليمن إلى جانب جيرانهم المسلمين، وتداخلت بينهم علاقات الجيرة والعمل والسوق. وكانت تفاصيل الحياة اليومية، في كثير من الأحيان، أوسع من الخطابات التي جاءت لاحقًا لتعيد تعريف الناس من خلال هوياتهم.

لم يكن الناس بحاجة إلى محاضرات طويلة ليدركوا أن الدين أخلاق قبل أن يكون شعارات.

المعلم في فصله، والتاجر في متجره، والشيخ المصلح في قريته، والأم التي تعلم طفلها احترام الجار؛ كانوا يعرفون، ببساطة، أن الدين ليس عنفًا يُمارس باسم المقدس، ولا عبارة تُقال لتبرير ظلم الآخر.

كان الدين، في صورته التي عرفها اليمنيون في حياتهم اليومية، منظومة قيم: صدقًا في البيع، ووفاءً بالعهد، ورحمة بالضعيف، وعدلًا يجمع ولا يفرّق.

ومن هنا تتسع الحيرة حين تكبر الفجوة بين الإسلام كما تقدمه نصوص القرآن وهدي السنة، وبين الصورة التي يرسمها التوظيف السياسي لبعض الخطابات الدينية؛ صورة يطغى عليها الصراع، وتغذيها الخصومات التي لا تنتهي.

فهل المطلوب من هذا الجيل أن يختار بين خطابات تجعل العنف جزءًا من التدين، وبين قوله تعالى:

﴿وَلَوْ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ﴾

وقوله سبحانه:

﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ﴾؟

فهذه النصوص لا تجعل الأخلاق هامشًا في الدين، بل تضعها في قلب الرسالة.

(1) حين قرأنا الإسلام بعين واحدة

من إشكالات بعض التيارات المعاصرة أنها انشغلت بالاستشهاد بنصوص مجتزأة، وبالخلافات على حساب الأصول الجامعة، وبالأحكام دون مقاصدها.

وغاب السؤال الأهم:

لماذا شُرعت هذه الأحكام؟ وما الغايات التي جاءت لتحقيقها؟

ففهم الأحكام يظل ناقصًا إذا انفصل عن مقاصدها الكبرى؛ وفي مقدمتها حفظ النفس والعقل والدين والنسل والمال، إلى جانب العدل، وتحقيق المصالح، وصيانة الكرامة الإنسانية.

وفي المقابل، أُعيد تقديم التاريخ الإسلامي في بعض الأدبيات بوصفه سلسلة من المعارك، بينما تراجع الجانب الذي بنى الحضارة وأبقى أثرها: العلم، والأمانة، والإحسان، والعدل، والرفق بالمخالف.

ولو سألت يمنيًا بسيطًا عن رجل يحبه بعد رحيله، فلن يحدثك طويلًا عن مذهبه أو جماعته.

سيقول:

«كان نزيهًا».

«لم يظلم أحدًا».

«وقف مع الضعفاء».

تلك هي المعايير التي تبقى.

وقد رأيت شيخًا قبليًا أصلح بين أسرتين اقتتلتا على بئر ماء بكلمة طيبة حقنت الدماء، وسمعت في المقابل خطيبًا يعتلي المنبر ليزرع الضغائن ويكفّر مخالفيه.

فأيهما كان أقرب إلى روح الدين؟

ربما لا يحتاج السؤال إلى إجابة طويلة.

فالتاريخ لم يحتفظ بعمر بن الخطاب وعمر بن عبدالعزيز لأنهما بلغا سدة الحكم فحسب؛ فالمنصب يناله الصالح والطالح، وإنما لأن السلطة تحولت في سيرتهما إلى مسؤولية، والقوة إلى خدمة، والحكم إلى إنصاف.

أما محبة الناس والبقاء في ضمير التاريخ، فلا يصنعهما النفوذ، بل تصنعهما عدالة السيرة، وعفة اليد، وحسن الخلق.

(2) حين تصبح العبادة دعاية

حين يغيب الضمير، يمكن أن يتحول الدين من رسالة هداية وبناء إلى أداة للتعبئة والاستقطاب، وتُستدعى نصوصه خارج سياقها لتغذية النزاعات، بدل أن تكون ميزانًا للحق والعدل.

وعندها يُلبس الخلاف السياسي ثوب الخلاف العقدي، ويُصوَّر المخالف وكأنه خارج عن الجماعة أو بعيد عن الحق.

وقد دفع اليمن ثمنًا باهظًا لهذا الخلط بين المقدس والتجربة السياسية البشرية؛ إذ أُقحم الخطاب الديني في صراعات حزبية ومذهبية، وتحول أحيانًا إلى وقود للنزاع، بدل أن يكون جسرًا للمصالحة.

وفي خضم ذلك كله، لم يكن المواطن يبحث عن انتصار فريق على آخر، بقدر ما كان يبحث عن دولة تحميه، وعدالة تنصفه، وأمن يحفظ حياته.

والمفارقة أن مجتمعات غير مسلمة استطاعت، بدرجات متفاوتة، أن توفر للمسلمين مساحة لممارسة شعائرهم والتمتع بحقوق مدنية، بينما عجزت مجتمعات مسلمة عن حماية المسلم من ظلم أخيه المسلم باسم الدين.

فهل حماية الدين تكون بإقحامه في كل صراع، أم بمنع تحويله إلى أداة للاستقطاب؟

قدسية الدين لا تحتاج إلى حرب دائمة كي تثبت حضورها؛ تحتاج إلى عدل يطمئن إليه الناس، ورحمة يشعرون بها، وصدق يرونه فيمن يتحدث باسمه.

(3) حين خذلتنا الشعارات

سقطت بعض تجارب التيارات الدينية في السلطة سريعًا، لا بسبب الضغوط الخارجية وحدها، بل لأن أخطاء أصحاب الشعارات الدينية تكون أشد وقعًا؛ إذ يكون سقف التوقعات منهم مرتفعًا، فيصبح السقوط أكثر إيلامًا.

فمن يسمع طويلًا عن العدل والزهد والرحمة، ينتظر أن يراها في الإدارة والخدمات والسلوك، لا في الخطب وحدها.

وحين تحل الأنانية والاستئثار والمحسوبية والإقصاء محل تلك القيم، يكون الألم بحجم الأمل الذي عُلّق عليها.

كلما ارتفع سقف الشعارات، ارتفعت مسؤولية أصحابها في تجسيدها.

فالناس لا تحاسب الدعوات على جمال عناوينها، بل على أثرها في حياتها.

وما أشد المفارقة حين يختفي المشروع الحضاري والإنساني من قاموس بعض المدارس، لتحل محله مفردات التخوين والتكفير والصراع.

كأن مسافرًا قطع قفرًا طويلًا يلهث من العطش. لاح له بئر في آخر الطريق، فجمع ما بقي لديه من أمل وسار إليها. وحين بلغها وجدها خاوية.

لم تكن صدمته في جفاف البئر وحده، بل في الطريق الطويل الذي قطعه وهو يوقن أن النجاة باتت قريبة.

(4) من كثرة المنابر إلى فقر النماذج

لا تكاد تخلو قرية يمنية أو حي سكني من مسجد أو منبر.

لكن السؤال:

أين أثر ذلك في الواقع؟

فالمجتمعات لا تتغير بكثرة الخطب بقدر ما تتغير بحضور القدوة.

موظف يترفع عن الرشوة، ومسؤول يصون المال العام، وتاجر يصدق في بيعه، وجار يحفظ حق جاره؛ مواقف صامتة، لكنها أبلغ من عشرات المحاضرات.

قد يجادل الإنسان الكلمات، لكنه يصعب عليه أن يجادل موقفًا صادقًا يراه أمامه.

وفي السيرة النبوية مواقف كثيرة تكشف عظمة الحلم والعفو والرفق بالمخالفين، حتى في أشد لحظات الخصومة.

بذلك السمو الأخلاقي لم تكن الرسالة مجرد كلمات تُسمع، وإنما سلوكًا يُرى ويُعاش.

ولهذا قد ينسى الناس ما سمعوه في الخطب، لكنهم نادرًا ما ينسون موقفًا عادلًا أنصفهم، أو رحمة خففت عنهم ألمًا.

فالقدوة ليست هامشًا في الخطاب الديني؛ إنها الاختبار الحقيقي له.

(5) حين صار الاختلاف قطيعة

عرف اليمنيون، عبر قرون طويلة، صورًا متعددة من التعايش المذهبي والاجتماعي، وكانت الروابط الإنسانية والمصالح المشتركة أوسع من دوائر الخلاف.

لم يكن المزارع يسأل جاره عن مذهبه قبل أن يتشاركا موسم الحصاد، ولا كان المضيف يستفسر عن انتماء ضيفه قبل أن يكرمه.

بدأت المأساة حين تحوّل المذهب من فضاء للاجتهاد إلى هوية سياسية مغلقة، تحت يافطة «الولاء والبراء»، فأصبح ما يفرق الناس مقدمًا على ما يجمعهم.

ومع هذا التحول، غدا الانتماء وسيلة للنفوذ والتسلق والتهميش والإقصاء، بدل أن يكون مجالًا للتعارف والتكامل والإثراء.

وهكذا تحوّل الاختلاف، وهو جزء من طبيعة البشر، إلى استقطاب يمزق النسيج الاجتماعي.

فحين يصبح المذهب بطاقة عبور إلى الوظيفة، أو وسيلة إلى السلطة، أو معيارًا للولاء والخيانة، يفقد معناه بوصفه اجتهادًا، ويتحول إلى جدار يفصل الناس عن بعضهم.

وهنا لا يعود الخلاف خلافًا في الفقه، بل صراعًا على الهوية والمواطنة.

خاتمة: ما أجمل أن يُترجم التدين إلى أخلاق

حين تضع الحرب أوزارها، لن يتذكر الناس صخب المناكفات الحزبية والمذهبية بقدر ما سيتذكرون من آوى نازحًا، وكفل يتيمًا، وأصلح بين متخاصمين، وخفف عن محتاج.

في المحن تسقط الأقنعة، ولا تبقى إلا الأخلاق.

الدين رحمة؛ جاء ليصون كرامة الإنسان، ويهذب سلوكه، ويقيم العدل في حياته.

ولهذا فإن معيار استقامة أي اتجاه ديني أو سياسي ليس كثرة شعاراته وخطبه، بل مقدار ما يتركه من عدل ورحمة وخير في حياة الناس.

قد نختلف في الاجتهادات السياسية والفكرية، لكن يمكننا أن نجتمع على أن الرحمة والعدل والصدق والأمانة قيم لا تستقيم الحياة من دونها.

ويبقى السؤال:

متى تقتنع المدارس الدينية بأن إعادة الأخلاق إلى قلب الخطاب والممارسة ليست ترفًا، بل ضرورة؟

فالناس لم تعد تعنيها الرايات بقدر ما يعنيها أثرها، ولا يعنيها كثيرًا من يرفع شعار الدين بقدر ما يعنيها من يترجم قيمه على أرض الواقع.

إن استعادة روح التعايش تبدأ حين ندرك أن ما يجمع أبناء الوطن الواحد أكبر مما يفرقهم، وأن الاختلاف في الرأي أو المذهب لا ينبغي أن يتحول إلى اتهام أو قتال أو خصومة دائمة.

وهناك عبارة جميلة متداولة تختصر جانبًا من هذا المعنى:

«أقيموا دولة الإسلام في قلوبكم، يُقِمْها الله على أرضكم».

وقيمتها هنا في نقل الإصلاح من الخارج إلى الداخل:

الإنسان قبل السلطة، والأخلاق قبل الدولة، والرحمة قبل الخصومة.

فحين يسكن التدين القلب أخلاقًا، لا يحتاج المتدين إلى بغض أحد كي يثبت تدينه.

لا يحتاج إلى راية فوق جبل، ولا إلى منبر لمهاجمة الخصوم، ولا إلى عدو يُقصى.

يكفي أن يراه الناس في سلوكه.

هناك، فقط، يعود الدين إلى أجمل صوره:

رسالةً تُعاش، لا مجردَ شعارٍ يُرفع.


أي رسالة أو تعليق؟

مراقبة استباقية

هذا المنتدى مراقب استباقياً: لن تظهر مشاركتك إلا بعد التصديق عليها من قبل أحد المدراء او المديرات.

من أنت؟
مشاركتك

لإنشاء فقرات يكفي ترك سطور فارغة.

الأعلى