«أحسنت يا أنا»
«1»
مرّت سنوات عمري بين السبورة ووجوه الطلاب.
كان العام الدراسي يتكرر كأنه لا يبدأ إلا لينتهي، والأسابيع تتراكم كجدار؛ كل يوم يضيف إليه حجرًا. صرت أرى العمر من الجهة الأخرى، لا من داخله.
أراقب من خلف ذلك الجدار وجوهًا أثقلها الزمن، وضجيجًا يملأ الأرجاء دون أن يلامس الروح.
كنت أجرّ خطواتي في الممرات كمن يحمل عمرًا زائدًا على كتفيه؛ أشرح لأؤدي الواجب، وأعيد لأن الحصة لم تنتهِ بعد، وأبتسم لأن الوجه، مهما أثقله التعب، مطالبٌ بأن يظل حاضرًا.
وفي غمرة ذلك الوجوم، انفتح باب قديم في داخلي.
عدتُ إلى مقعد خشبي، وإلى صبيٍّ كنتُه ذات يوم.
«2»
دخل المعلم.
لم يكن دخوله صاخبًا. كان حضوره نسمة فجر؛ يستتب الصمت له دون نداء، وتستقيم المقاعد كأنها تستقبل الضوء.
لم يكن يقرأ من كتابٍ جاف، بل كان يفتح لنا نوافذ، فتصير المعرفة عوالم تنبض.
تقدّم نحوي، نظر في عينيّ، وقال ببساطة:
— أحسنت.
كلمة واحدة، لكنها بقيت في داخلي طويلًا؛ كضوءٍ يبقى عالقًا في غرفةٍ أُغلقت نوافذها بعد الشروق.
ومضت السنوات.
«3»
غامت الألوان، وانحسر ضجيج الفصل إلى صمت شفيف.
غبت في ممرات ذاكرتي حتى سمعتها قريبة، كأن معلمي يلمس كتفي الآن:
— أحسنت.
همس صوت من أقصى روحي:
— كم مرة أهديتها لغيرك ونسيت أن تمنحها لنفسك؟
قلت بإنهاك:
— لا أدري... لم أعد أذكر.
عاد الصوت بلطف:
— ربما حان الوقت لتسمعها أنت.
ترددت الكلمة، خافتةً أولًا، ثم أوضح:
«أحسنت... أحسنت... أحسنت.»
حتى شعرت أن شيئًا نام طويلًا قد انتفض.
انزاح عن صدري ثقل دفين. اتسع النفس، وكأن قدميّ اللتين أثقلهما التعب تذكرتا الطريق.
«4»
سقطت الطبشورة البيضاء من يدي.
كان ارتطامها خفيفًا، لكنه أعادني إلى العالم.
فتحت عينيّ، فإذا بكف طالب يهزني برفق، ونداء أحفظه:
— أستاذ هاني!
كانوا ينظرون إليّ بدهشة.
نظرت إلى الساعة؛ فإذا بأغلب الحصة قد مضى.
انحنيت والتقطت الطبشورة.
وقفت أمام السبورة ونظرت إلى وجوههم.
هذه المرة لم أبتسم لأن الواجب يقتضي الابتسام.
ابتسمت لأنني أردت ذلك.
رفعت يدي وكتبت على السبورة:
«أحسنت يا أنا.»
توقفت لحظة، ثم التفت إليهم بقلب أخف وقلت:
— والآن... لنبدأ الدرس.
