صفر في التعبير: حين نتحدث بلغات مختلفة
استوقفتني صورةٌ ورقة إمتحانية لتلميذٍ طُلب منه أن يعبّر عن أمه، فرسمها وهي تحتضنه وتظلله بحنانها كالمظلّة. لكن معلمه منحه صفرًا في مادة التعبير، لأنه لم يكتب شيئًا.
ولو كنتُ مكان ذلك المعلم لمنحتُه الدرجة الكاملة؛ فالتعبير ليس حكرًا على الكلمات، بل له لغاتٌ متعددة، واللغة البصرية واحدةٌ منها. لم يكن التلميذ عاجزًا عن التعبير، وإنما اختار اللغة التي يجيدها ويشعر أنها الأصدق في نقل مشاعره. ولعل تلك الرسمة البسيطة قالت عن الأم ما قد تعجز عنه صفحات كاملة من الإنشاء.
يكمن الخلل، في رأيي، في نظامٍ تعليمي لا يعترف إلا بقالبٍ واحد للتقييم، فيحكم على كل من يختار لغةً مختلفة بالرسوب. وبالمنطق نفسه، قد يُوصَف الطالب النشيط كثير الحركة بأنه مشاغب أو غير مركز، بينما هو في الحقيقة يتعلم بالفعل والممارسة أكثر مما يتعلم بالاستماع والتلقين.
ولا يقتصر هذا الخلل على المدرسة؛ فالكثير من سوء الفهم في حياتنا لا ينشأ من غياب المحبة أو حسن النية، بل من اختلاف طرائق التعبير والفهم. فنحن كثيرًا ما نفسر تصرفات الآخرين بلغتنا نحن، لا باللغة التي يقصدونها هم.
ولعل اختلاف "لغات التعبير" من أكثر الأسباب التي تُضعف العلاقات الإنسانية؛ لأننا غالبًا نعطي الآخرين ما نحتاج إليه نحن، لا ما يحتاجون إليه هم.
في البيت: قد تمر الزوجة بضيق فتحتاج إلى من يصغي إليها ويشعر بها، بينما يسارع الزوج إلى تقديم الحلول. هي تفسر ذلك بأنه تجاهل لمشاعرها، وهو يراه تعبيرًا عن الاهتمام. كلاهما أراد الخير، لكن كلاً منهما تحدث بلغة مختلفة.
ومع الأبناء: يعمل أبٌ ساعاتٍ طويلة ليؤمّن مستقبل أسرته، بينما يرى أبناؤه في غيابه برودًا وجفاءً. هو يعبّر عن حبه بتحمل المسؤولية والحماية، وهم يحتاجون حضوره قبل أي شيء آخر.
وفي المجتمع والسياسة: قد يتحول الاختلاف في الرأي إلى تشكيك في النوايا، وكأن الاتفاق شرطٌ للوطنية، مع أن الاختلاف لا يلغي صدق الانتماء.
وفي الدين: تتعدد صور التعبير عن التدين والعمل الصالح بتعدد الناس وطاقاتهم وتجاربهم؛ فمنهم من يترجمها إلى خدمة المجتمع، ومنهم من يترجمها إلى العلم، أو التربية، أو الزهد، أو الإحسان إلى الناس. وإدراك هذا التنوع يجعلنا أكثر إنصافًا وأقل ميلًا إلى إصدار الأحكام.
ولعل من أهم صور الذكاء الاجتماعي أن نحاول فهم اللغة التي يعبّر بها الآخر عن قناعاته ومشاعره، قبل أن نصدر أحكامنا عليه.
كيف نتجاوز هذه الفجوة؟
بالتخلي عن الرغبة في استنساخ الآخرين على صورتنا. وبالفصل بين نقد السلوك والطعن في الأشخاص. وبالسؤال عن الدوافع قبل إطلاق الأحكام. وبالنظر إلى الاختلاف بوصفه مصدرًا للإثراء لا سببًا للتهديد.
وكما تضعف المؤسسات والأنظمة حين لا تعترف بالتنوع، تضعف العلاقات الإنسانية أيضًا عندما تُلغى لغة الطرف الآخر ويُفرض قالبٌ واحد للتعبير.
وإذا مررتَ بتجربةٍ مؤلمة بسبب سوء فهم الآخرين للغتك، فاجعلها سببًا في تخفيف معاناة من حولك، لا في نقل الجفاء إليهم.
وربما لن يتفق الناس يومًا على رأيٍ واحد، وهذا ليس عيبًا في المجتمعات، بل هو من صلب طبيعتها البشرية.
وقبل أن تحكم على رد فعل أحدهم غدًا، اسأل نفسك: بأي لغة كان يتكلم؟ وبأي لغة كنتُ أنا أصغي؟
فالمشكلة لا تبدأ حين نختلف، بل حين نفقد القدرة على فهم اللغة التي يعبّر بها كلٌ منا عن نفسه. وعندما تنعدم المساحة المشتركة، يتحول الحوار إلى صراع وصراخ، ويغدو كل اختلاف معركةً لا ضرورة لها.
