الأربعاء ٩ أيلول (سبتمبر) ٢٠٢٦
بقلم حسن نور الدين صيادي

حلمٌ ورديّ

راح معتمد الرواتب يُنقدني المئة بعد المئة، إلى أن انتهى من تسليمي مرتّبي، وكم كنتُ سعيداً لأنّي رأيتُه هاشّاً باشّاً، ما فارقت الابتسامة وجهه طيلة وجودي في مكتبه.

خرجت من عنده، والفرحُ يغمرني بنشوة ما عهدتها سابقاً، صحيح ٌ أنّي كنتُ أسَرّ لرؤية الأوراق النقديّة، وهي تلمع بين يديّ وتضحك لي، لكنّي في هذه المرّة ، كنت مغتبطاً بشكل مُغاير لسابقاتها.

ذهبت في البدء، وكما أوصتني أمّ العيال بفاتورتها الشهريّة، إلى اللحّام وطلبتُ منه نصف كيلو من اللحم الضأن، فما كان منه إلّا أن اقتطع الفخذ وقال: هو لك، على الرحب والسعة.

مددت يدي لأعطيه ثمنه، بعد أن تجسّد أمامي الخطر المحدق،فليس من عادتي أن اشتري فخذاً بكامله، فأصرّ على ألاّ أُخرج قرشاً واحداً، ازدادت الدهشة والغرابة عندي بشكل أكبر، وعندما أردت الخروج، رافقني إلى باب محلّه، وهو يودّعني بأنمق العبارات، وأعذب الكلمات، قلت في نفسي: ماذا حدث للدنيا، هل تغيّرت؟ هل انقلبت رأساً على عقب؟ تابعت طريقي إلى محلّ أقمشة، أريد ابتياع ما كُتب في فاتورة أمّ العيال، فإذا بصاحب المحل قد جلس في ركن من أركانه، والابتسامة لا تفارق محيّاه،وكان قد كتب على واجهة محلّه بالخط الواضح، - خذ ما تشاء وادفع ما تشاء-، يا للغرابة ! لقد شُحنت بمشاعر جمّة، لا حصر لها، وكم كبُر صاحب المحلّ بنظري، على أمانته، وسخائه المنقطع النظير، أخذت ما أحتاج إليه، وصاحبنا لم يُعرني انتباهاً، إلى أن وضعت الذي توقّعتُه، من التسعيرة المسنونة، حيث التفت إليّ طالباً منّي أن أدفع ربع المبلغ، ولمّا أردت حواره، قاطعني طالباً ألّا أناقش، وأذهب مصحوباً بالسلامة، يا للغرابة! ماذا حدث للدنيا؟

ثم إلى دكّان البقال، وقبل أن أصل إليه، ببضع خطوات، أخذ بيدي رجل، وكالعادة الابتسام يقطر من فمه. إلى أين؟ قلتها بدهشة، قال: إلى هنا أيّها المحترم، ستأخذ السلع التي تريد، شئت أم أبيت، ولن تدفع شيئاً، وأعطاني كيساً ، وضعت فيه حاجاتي ، وتابعت المسير، ولمّا شعرت ببعض التعب، توقّفت سيّارة أجرة، صاحبها أصرّ على أن يقلّني إلى حيث أريد، فأخذت مقعدي إلى جواره، وعندما وصلت إلى منزلي، وأردت إخراج النقود، وجدتُه يبتسم، ويغادرني بسرعة البرق، ماذا حدث للدنيا؟ يا للغرابة؟!، وعندما فتحت باب المنزل، كدت لحظتها أن أفقد صوابي، وجدت زوجتي على غير عادتها، تحمل الأمتعة من يدي مردّدة: أعطاك الله العافية، ووجهها يطفح بالبشر، وأولادي السبعة على أحسن حال، يرقبونني بعيون تلمع منها السعادة، ويشعّ منها الدفء والفرح، فمنذ زمن وعندما أعود للمنزل، كنت أجد زوجتي بوجهها المكفهرّ الغاضب، والتي تبدأ استقبالي بكلمات حادّة، وبحركات عنفوانيّة، وبتذمّر وضجر من عيشتها معي، التي هدّت قواها، وأحالتها إلى آلة تسير عبر روتين دائم كما تدّعي، والأغرب أنها لم تسأل عن المرتّب، وكم بقي منه، وما المتاع الذي جلبته لها، بل راحت تمسح وجهي بيدها الناعمة النظيفة، وأقول نظيفة، لأنها سابقاً ما غادرتها يوماً رائحة البصل، وولدي ميسّر الفوضويّ المشاغب، وجدته يجلس على الكنبة، وكأنه الملاك، يحدّثني بلطف ما عهدته به، فهو على عادته ليلاً نهاراً فقط، يُحيل البيت إلى ساح صراع، أو قل إلى حلبة ملاكمة، لا تسمع إلا العويل والصراخ، وكنت أحاول جاهداً تهدئة الموقف، ولكن لا مجيب.

ماذا حدث للدنيا؟ يا للغرابة؟!

وفجأة أفقت من نومي على ألم في ذراعي، أحدثه وخز زوجتي لي، وصراخ فوق رأسي يدويّ في مسمعي، كصوت طبل أجهد صاحبه نفسه بالضرب عليه، قلت: مالك يا امرأة؟

قالت: ألم تزل بعد نائماً؟ هيّا خذ الفاتورة الشهريّة، واذهب لمعتمد الرواتب، لتستلم مرتّبك، وقبل ذلك عليك أن تجلب لنا
الخبز من الفرن.

وداريت وجهي منها، وبدأت أحدّث نفسي: أما كان لي أن أخلد للنوم طويلاً، وأعيش لحظات السعادة بعينها، بعد لحظات سأقف مع جمهرة الناس، على باب الفرن، وبعد صراع يستمرّ ويستمرّ، سأحصل على بعض أرغفة الخبز، وبعدها إلىمعتمد الرواتب، ثمّ إلى اللحام.

هل سأجد ما حلمت به يتحقّق؟

يا للحقيقة!!!؟؟


أي رسالة أو تعليق؟

مراقبة استباقية

هذا المنتدى مراقب استباقياً: لن تظهر مشاركتك إلا بعد التصديق عليها من قبل أحد المدراء او المديرات.

من أنت؟
مشاركتك

لإنشاء فقرات يكفي ترك سطور فارغة.

الأعلى