بيت أبي
لم أكن أعرف أن العالم موحش إلى هذا الحد حين لا يكون خلفي بيت أبي. كنت أخرج منه وأظن أن الطريق مجرد طريق، وأن البلاد تتسع لمن يمشي إليها، وأن البيوت التي سأعيش فيها لاحقًا ستمنحني الأمان نفسه. لكنني حين ابتعدت، اكتشفت أن للغربة أسنانًا، وأن العالم لا يربّت على كتف المتعب، وأن كثرة الأبواب لا تعني أن هناك بابًا واحدًا يمكنني أن أدخله وأنا مطمئنة. في كل مكان وصلت إليه كان لي عنوان، ومفتاح، وسرير، ونافذة، لكن لم يكن لي ذلك الأمان القديم؛ الأمان الذي كنت أدخل إليه بلا استئذان، وأبكي فيه دون أن أشرح سبب بكائي. عندها فهمت أن بيت أبي لم يكن جدرانًا وسقفًا، بل كان ظهرًا أستند إليه حين يتعب ظهري من العالم. ولعل أقسى ما في الكبر أن أعرف متأخرةً أن المكان الذي ظننته عاديًا كان معجزة الأمان. لذلك، أينما ذهبت وأينما سكنت، سيبقى في داخلي بيت واحد لا يشبهه شيء؛ بيت أبي، المكان الذي لم أعرف أنه كان الأمان كله إلا حين خرجت منه.
