الاثنين ٣ آب (أغسطس) ٢٠٢٦
بقلم مكرم رشيد الطالباني

الرِّيحُ السَّمُوم

من الشعر الكوردي الحديث

رِيحٌ سَمُومٌ عَبَرَتْ.. تِلْكَ السُّهُولَ وَالجِبَالْ
تَغُوصُ فِي هَذَا الرَّجَاءِ.. فِي غَلِيلِ الِابْتِهَالْ
تَعْوِي الرِّيَاحُ هُنَا.. ثُمَّ يَخْفَتُ الصَّدَى
وَبَابُ هَذِي الحَاضِرَةْ
مِنْ غَيْرِ حُرَّاسٍ يَمُوتُ فِي المَدَى
يَهْتَزُّ مَهْجُوراً حَزِينْ
رِيحٌ سَمُومٌ فِي المَدِينَةِ الغَرِيقَةِ الظَّلَامْ
بِلَا شُمُوعٍ أَوْ ضِيَاءْ
فَوْضَى وَتَسْيِيبٌ تَمَطَّى فِي الحَنَايَا وَالعُيُونْ
رِيحٌ سَمُومٌ تَعْتَلِي.. هَذَا الصُّعُودَ وَالجِبَالْ
حُلْمُ التَّارِيخِ الأُرْجُوَانِ قَدْ غَدَا بِلَا أَمَانْ
قِمَاتُ أَمَلِنَا التَّلِيدْ.. أُفْقُ القُلُوبْ
بِلَا هُوِيَّةٍ، بِلَا مَلَامِحٍ، وَبِلَا نَظَرْ
رِيحٌ سَمُومٌ نَاكِبَةْ
قَدْ كَانَ فِيهَا البَاطِلُ مَشْهُورَ السِّلَاحْ
وَالحَقُّ يَمْشِي فِي القُيُودْ
جَسَدٌ يَمُوجُ بِالجِرَاحْ
وَالحُزْنُ يَجْلِسُ ضَيْفَ مَائِدَةِ الجِيَاعْ
مَعَ النَّشِيجِ الكَارِهِي.. وَمَعَ الدِّمَاءْ
حَتَّى دَمُ الفِكْرِ انْزَوَى بِلَا خِبَاءْ
رِيحٌ سَمُومٌ نَاكِبَةْ
طَبْلُ المَسِيرِ هُنَا يُدَقُّ كَيْ يَثُورَ أَوْ يَتَمَزَّقَا
لَكِنَّ بُوقَ الزُّورِ غَابْ.. لَمْ يَنْطِقِ
بِلَا مَلَامِحَ أَوْ صَدَى
تَخْنُقُ اللَّهْفَةَ فِي صَدْرِ الأَنَامْ
رِيحٌ سَمُومٌ عَانِدَةْ
تَجْعَلُ الجُرْحَ العَمِيقَ فِينَا أَكْثَرَ انْفِجَارْ
وَيَسْقُطُ الحُلْمُ الأَنِيقْ
رِيحٌ سَمُومٌ نَاكِبَةْ
مَلَاكُ الرَّجَاءِ بِلَا رَايَةٍ.. بِلَا أَيِّ رَمْزٍ كَبِيرْ
وَمَنْ كَانَ يَمْلِكُ فِيهَا مَفَاتِيحَ هَذَا الخَيَالْ
قَالُوا يَجِيءْ.. لَكِنَّهُ لَمْ يَحْضُرِ
رِيحٌ سَمُومٌ صَوْتُهَا.. يَعْلُو وَيَخْمَدُ فِي النَّحِيبْ
فَمُ المَدِينَةِ المَخْنُوقِ يَشْكُو لِلْمَدَى
لَكِنَّ فَيْضَ الجُرْحِ يَبْقَى عَيْنَ مَاءٍ تَحْتَ حِضْنِ الجَبَلْ
تَجْرِي مِنَ الجُذُورِ، مِنْ عُرُوقِ السِّنْدِيَانْ
تَمْضِي وَلَا تَعْرِفُ لِلْفَنَاءِ حَدّاً أَوْ زَمَانْ
وَمَدِينَةُ القَلْبِ اسْتَفَاقَتْ.. بِلَا رَاعٍ، بِلَا مَلِكَةٍ تَمْلِكُهَا، بِلَا سُلْطَانْ
رِيحٌ سَمُومٌ فِي الجِبَالْ.. تَعْوِي وَتَهْدَأُ فِي الفَضَاءْ
تَقْضِمُ الأَرْزَاقَ نَهْشاً، تَخْتَطِفُ كُلَّ الجَمَالْ
تَصْرَعُ الأَجْسَادَ طَرْحاً، تَنْشُرُ السَّوَادَ المَاحِقا
لِيَغْدُو الكَمَدُ المَكْبُوتُ الصَّامِتُ كَالسَّهْمِ المَسْمُومْ
فِي نِيَاطِ القَلْبِ وَالصَّدْرِ العَلِيلْ
رِيحٌ سَمُومٌ نَاكِبَةْ.. يَعْلُو صَوْتُهَا ثُمَّ يَخْمَدْ
قَدْ سُدَّتْ كُلُّ دُرُوبِ الحَيَاةْ
فَلَا الغُدْرَانُ وَلَا اليَنَابِيعُ المَجِيدَةُ تَصِلُ الحِمَى
بَيْنَمَا ذَوُو البُطُونِ المُنْتَفِخَةِ، وَالرِّقَابِ الغَلِيظَةِ الهَجِينَةْ
بِعُيُونِهِمُ العَمْيَاءِ المَجْرُودَةِ مِنَ الكُحْلِ العَفِيفْ
يَزْدَادُونَ جَشَعاً وَتُخْمَةً، وَيَمْلَأُونَ كُرُوشَ الجُيُوبْ
وَتَزْدَادُ عُيُونُ أَقْمِشَتِهِمْ صَفَاقَةً وَجَفَاءْ
رِيحٌ سَمُومٌ عَانِدَةْ.. تَعْصِفُ ثُمَّ تَنَامْ
وَلِسَانُ الحَقِّ لَا يَتَحَرَّكُ، لَا يَنْبِسُ بِلَفْظَةِ عِتَابْ
تَخْنُقُ المَدِينَةَ خُطْوَةً فَخُطْوَةْ، وَتَأْكُلُهَا نَاراً إِثْرَ نَارْ
وَتَبْقَى الشَّمْسُ مَخْذُولَةً بِلَا نَصِيرٍ أَوْ أَخٍ مَجِيدْ
وَمَا دَامَتْ هَذِهِ الرِّيحُ تَعْوِي فِي المُنْحَدَرَاتِ وَعَلَى الجَبَلْ
تَشْتَدُّ وَتَتَسَلَّقُ أَعْنَاقَ القِمَمِ وَجُذُوعَ السِّنْدِيَانْ
فَإِنَّ الأَرْوَاحَ سَتَحْتَرِقُ، وَيَنْطَفِئُ مِصْبَاحُ قُلُوبِنَا
وَتَرْتَدِي وِلْدَانُ أَفْكَارِنَا ثِيَابَ الحِدَادِ الطَّوِيلْ
رِيحٌ سَمُومٌ هِيَ الرِّيحْ
وَالمَدِينَةُ العَرِيقَةُ أَمْسَتْ بِلَا مَلِكَةٍ، بِلَا سُلْطَانٍ يَقُودْ
سَائِبَةً بِلَا رَابِطٍ، بِلَا قَانُونٍ مَهِيبْ
وَأَبْوَابُهَا فِي فُصُولِ السَّنَةِ الأَرْبَعَةِ مُشرعَةٌ لِلضَّيَاعْ
رِيحٌ سَمُومٌ يَثُورُ صَخَبُهَا وَيَسْكُنُ فِي الأُفُقْ
وَالمَدِينَةُ نَائِمَةٌ بِلَا وَعْيٍ.. تَرْنُو بِعُيُونٍ جَامِدَةٍ خِلْوٍ مِنَ النَّظَرِ الفَصِيحْ
تَنْتَظِرُ أَنْ يَأْتِيَ الفَصْلُ الخَامِسُ سَعْياً عَلَى أَقْدَامِهِ إلَيْهَا
لَكِنَّ الفَصْلَ مَفْقُودٌ فِي جَوْفِ حُوتٍ غَرِيقْ.. وَلَنْ يَجِيءْ
فَمَدِينَةُ الشَّمْسِ صَارَتْ بِلَا حِمًى، بِلَا شَرِيعَةٍ مَهِيبَةْ
سَائِبَةً هَمَلاً.. بِلَا مَلِكَةٍ تَحْمِيهَا، بِلَا مَلِكٍ يَصُونُ الحُدُودْ
رِيحٌ سَمُومٌ يَشْتَدُّ نَحِيبُهَا ثُمَّ يَنَامْ
وَحُلْمُ السِّنِينَ الغَابِرَةِ النَّاضِرُ مَقْصُوصُ الجَنَاحِ يَمْضِي بَعِيداً
دُونَ أَنْ يَتَحَقَّقَ.. دُونَ أَنْ يَتَحَقَّقَ.. دُونَ أَنْ يَتَحَقَّقْ
فَمَدِينَةُ الرَّجَاءِ بَاتَتْ مُسْتَبَاحَةً بِلَا قَانُونٍ.. خَاوِيَةً بِلَا مَلِكَةٍ أَوْ مَلِكٍ شَجِيعْ.


أي رسالة أو تعليق؟

مراقبة استباقية

هذا المنتدى مراقب استباقياً: لن تظهر مشاركتك إلا بعد التصديق عليها من قبل أحد المدراء او المديرات.

من أنت؟
مشاركتك

لإنشاء فقرات يكفي ترك سطور فارغة.

الأعلى