أيلولُ الذي يعيدُ ترتيبَ الغياب
يجيءُ أيلولُ
كموظّفٍ قديمٍ في أرشيفِ القلب،
يفتحُ الأدراجَ التي أغلقناها
على عجل،
ويتركُ رائحةَ المطر
تتسلّلُ إلى الذاكرة
من شقوقٍ لا نراها.
تتراجعُ الشمسُ قليلًا،
فيكبرُ ظلُّ البيتِ في داخلي.
غيمةٌ واحدة
تكفي أحيانًا
لإعادةِ بناءِ قريةٍ كاملة
في جهةٍ بعيدةٍ من الروح.
أرى النافذةَ القديمة،
وعليها بخارُ الشتاء،
كأنفاسِ الذين اجتمعوا حولَ دفءٍ واحد
ثمّ فرّقتهم السنوات.
في الخارج،
يتدرّبُ المطرُ على السقوط،
وفي داخلي
يتدرّبُ الحنينُ
على اختراعِ طرقٍ مستحيلة
إلى البيت.
كنتُ أظنُّ أنَّ الوطنَ
مسافةٌ نقطعُها،
ثمّ اكتشفتُ
أنّهُ أحيانًا
درجةُ حرارةِ يدٍ
وضوءُ مطبخٍ عند المساء،
وصوتُ ملعقةٍ
توقظُ في الفنجان
ذاكرةَ العائلة.
ما أغربَ الغربة...
أن تجعلَ الأشياءَ التي لم نلتفتْ إليها
أكثرَ الأشياءِ وضوحًا.
أن يصيرَ للمطرِ
عنوانٌ قديم،
ولرائحةِ الحطب
اسمُ شارع،
ولصوتِ الريحِ
جهةٌ جغرافية.
كلّما اقتربَ الشتاء،
شعرتُ أنَّ المسافةَ
لا تمتدُّ بين مدينتين،
بل بين نسختينِ من الإنسان:
واحدةٌ
كانت تدخلُ بيتَها
ولا تعرفُ أنّها تدخلُ الأمان،
وأخرى
تقفُ الآنَ خلفَ نافذةٍ باردة،
وتفهمُ متأخرةً
أنَّ بعضَ البيوت
لا نسكنها...
بل تسكنُنا.
وحين تهطلُ أولى المطرات،
سأتركُ قلبي قليلًا
تحتَ السماء.
لعلَّ الغيمةَ
تخطئُ طريقَها ذاتَ مساء،
وتحملُ إليَّ
شيئًا من رائحةِ البيت.
