السبت ٤ تموز (يوليو) ٢٠٢٦
بقلم صالح مهدي محمد

وجهة نظر

وجهة نظر... الشخصية القصصية الحديثة بين الإخفاء وتضاعف الدلالة

تعد الشخصية في القصة القصيرة محورًا بنيويًا يتجاوز كونها عنصرًا عرضيًا ضمن شبكة السرد؛ إنها الطاقة المتوثبة التي تحرك النص. ولأن الفضاء القصصي فن التكثيف والاختزال، فإن البناء السردي هنا لا يقوم على الامتداد الزمني الطويل، وإنما يتأسس عبر ومضات دلالية مشحونة بالإخفاء، تفتح أفقًا تأويليًا يتجاوز الحدود المرئية للنص ليضاعف أبعادها.

إن الحديث عن دور الشخصية يفتح بابًا تأمليًا يتجاوز الوظيفة التقليدية نحو فهم أكثر تعقيدًا لدورها؛ إذ تتحول من كائن مُتخيَّل إلى جهاز لإنتاج المعنى، ومن حضور لغوي مجرد إلى بؤرة توتر سردي تفضي بالدلالات عبر حجب تفاصيلها.

أول ما يلفت في هذا السياق هو تملص السرد بها من منطق التمثيل الواقعي، وقدرتها على الانفلات من شروط المرجعية الجاهزة. فالشخصية الحديثة قد تتجسد كفكرة، أو صوت، أو حتى فراغ دلالي محير؛ فالهوية هنا لا تتحدد بما تفعل أو تقوله علنًا، وإنما بما تخفيه، وبما ترجئه، وبما تتركه معلقًا في وعي المتلقي كاحتمال تأويلي مفتوح.

وهنا تبرز أسلوبية الإخفاء كإستراتيجية أولى؛ إذ تخلق الشخصية عبر تلاشيها المتعمد وبياضاتها النصية مساحة شاسعة للتأويل، وتجعل القارئ شريكًا فعليًا في بناء المعنى وتوليده. تليها سلطة التبدد الوعائي، حيث تتخلى عن وحدتها المتماسكة لتصبح بنية مفتوحة على الانقسام، تتوزع في أكثر من صوت، أو تتداخل مع عوالم أخرى، أو تنعكس في تفاصيل الأشياء المهملة. هذا التعدد والتنقل لا يضعف حضورها، بل يمنحها قدرة مضاعفة على تمثيل تعقيد الوجود الإنساني، حيث الذات لم تعد مركزًا ثابتًا، بل حقلًا من التوترات التي تتضاعف دلالاتها كلما أمعنت في التواري.

تأتي بعد ذلك القدرة على إعادة شكل الزمن؛ ففي الفضاء القصصي، تختصر الشخصية عمرًا كاملًا في لحظة خاطفة، أو تعيد تنسيق الماضي وفق منظورها الخاص. إنها لا تعيش الزمن الخطي الرتيب، بل تعيد صياغته برؤيتها الحاضرة والغائبة في آن. وهذا يمنحها سلطة تجعلها تتجاوز حدود الحدث إلى إعادة إنتاجه. كما تمتلك سلطة المفردة، إذ لم تعد مجرد موضوع للوصف الخارجي، بل غدت فاعلًا لغويًا يخلق أسلوبه الخاص؛ فهناك شخصيات تتكلم بعبارات متكسرة، أو صامتة، أو مشبعة بالمجاز، وكل نمط يعكس بنية شعورية كاملة، غدت فيه اللفظة امتدادًا للشخصية نفسها وفضائها المحجوب.

ومن بين أهم تجليات تمردها كذلك القدرة على المصارعة السردية؛ فقد تظهر بوصفها معطلة لتدفق الحكاية، ترفض الامتثال لمنطق الحبكة الخطية، وتربك مسارها المتوقع عبر الانسحاب. هذه المقاومة تنتج نصًا أكثر توترًا، لا تكون فيه منصاعة للحدث، بل قوة تعارضه وتستنطقه، مفضلة بلاغة الغياب على بلاغة الامتثال.

أما من الناحية الرمزية، فإن قابلية التضاعف الدلالي تتأسس مباشرة على قدرتها الإخفائية؛ حيث يمكن أن تقرأ بوصفها فردًا، أو تمثيلًا لجماعة، أو استعارة لحالة وجودية عامة. هذا التعدد يمنحها مرونة عالية، ويجعلها قابلة للانفتاح على قراءات لا تنتهي، مستمدة ديمومتها من رصيدها غير المكشوف.

وفي السياق المعاصر، برزت جمالية "الشخصية الغائبة الحاضرة"، وهي التي لا تظهر بشكل مباشر، لكنها تهيمن على الفضاء النصي من خلال آثارها المادية والنفسية. هذه الصلاحية تمارس الحضور عبر الغياب، ليصبح الصمت نفسه شكلًا من أشكال الفعل، وبنية مشحونة بالتوتر، تنتج أفقًا رحبًا للتأويل؛ فالشخصية الصامتة تملك كفايتها الدلالية، بل هي فائضة بالمعنى بفضل قناع الإخفاء الذي ترتديه.

إن الشخصية في القصة القصيرة غدت بنية حيوية متحولة، تَتَقَوَّمُ عبر التفاعل الحي بين اللغة والزمن والوعي؛ تخفي، تتبدد، تعيد تأثيث الزمن، تقاوم السرد، وتتضاعف دلاليًا. ويرتبط تطور هَذَا الفن النثري بتحررها من القوالب التقليدية، لتصبح غاية في ذاتها، ومجالًا لاختبار إمكانات التعبير الوجودي في أبهى تجلياته المستترة.

إن فهم الشخصية من خلال التوتر القائم بين الإخفاء وتضاعف الدلالة يتيح قراءة النصوص بطريقة أكثر عمقًا؛ حيث لا نبحث فقط عما تفعله، بل عما تتيحه من إمكانات عبر غيابها، وما تفتحه من أسئلة عليا. إنها القوة الاستثنائية التي تعيد بناء النص من جوهره الخفي، وتمنحه حياته وحركيته الخاصة بالاعتماد على الفراغات التي تتركها وراءها.


أي رسالة أو تعليق؟

مراقبة استباقية

هذا المنتدى مراقب استباقياً: لن تظهر مشاركتك إلا بعد التصديق عليها من قبل أحد المدراء او المديرات.

من أنت؟
مشاركتك

لإنشاء فقرات يكفي ترك سطور فارغة.

الأعلى