هرمجدون
في الليلِ الذي نسيَ اسمَهُ
كانتِ السماءُ
تُبدّلُ جلدها
مثلَ أفعى عمياء،
وكانَ القمرُ
مسماراً صدئاً
في نعشِ العالم.
الخرائطُ
لم تعدْ خرائط.
كانتْ أعضاءً داخليةً
معلّقةً
في مختبرِ جنرالٍ عجوز،
كلّ نهرٍ فيها
وريدٌ مفتوح،
وكلُّ مدينة
جرحٌ يتنفّس.
في الجنوبِ
كانتِ الأشجارُ
تنمو مقلوبةً،
جذورها في الهواء
وأغصانها
مدفونةٌ تحتَ الإسمنت.
الأطفالُ
يخرجونَ من الحطام
بوجوهٍ من غبار،
يحملونَ رؤوسهم
تحتَ آباطهم
كفوانيسَ صغيرة.
وكانتِ الدباباتُ
تمرُّ ببطءٍ
كحشراتٍ فولاذية
فوقَ جسدِ إلهٍ نائم.
في الشرق
كانتْ الصحراءُ
تضعُ عمامةً من دخان،
وتقرأُ مستقبلَها
في أحشاءِ الصواريخ.
أما البحارُ
فكانتْ ممتلئةً
بأسنانِ الغرقى.
كلُّ موجة
تفتحُ فمها
وتبتلعُ قارة.
وفي الغرفِ البيضاء
كانَ رجالٌ بلا ظلال
يحرّكونَ العالمَ
بأصابعَ باردة،
كأنهم يعزفونَ
على بيانو مصنوعٍ
من عظامِ الأنبياء.
لم يكنْ هناكَ جيشان.
فقط
مقبرةٌ هائلة
تحاولُ أنْ تحلم.
السماءُ
كانتْ تهبطُ قليلاً قليلاً،
حتى كادتْ تلامسُ
قبورَ الجنود.
واللغةُ نفسها
أصبحتْ معطوبة:
الخبزُ يُسمّى هدفاً،
والطفلُ يُسمّى خطأً جانبياً،
والرمادُ
يُسمّى نصراً.
في هرمجدون
لم يمتْ أحدٌ مرةً واحدة.
كانَ الموتُ
يحدثُ بالتقسيط،
مثلَ تسربِ الماء
داخلَ سفينةٍ بعيدة.
وفي آخرِ الليل
شوهدَ ملاكٌ
يجلسُ فوقَ دبابةٍ محترقة،
يأكلُ التراب
ويبكي بلا عينين.
وحينَ أشرقتِ الشمس
لم تُضئْ شيئاً.
كانتْ مجردَ مصباحٍ شاحب
يتدلّى
فوقَ غرفةِ تعذيبٍ كونية.
أما الأرض
فبدتْ
كحيوانٍ مذبوح
ما يزالُ قلبُه
يرتعشُ
تحتَ السكين.
