الثلاثاء ٢٤ آذار (مارس) ٢٠٢٦
بقلم منذر أبو حلتم

كأنهم لم يكونوا

(في الأيام الأخيرة .. يهاجر عبر البحر الاف من المستوطنين الصهاينة من فلسطين .. عائدين الى بلدانهم الأصلية ...)

كآبائِهِم..
عبروا لُجّةَ البحرِ
كأنَ العُبابُ يَمُدُّ الشُّروخَ..
كفم خُرافيٍّ أزرقَ
يجهلُ ما سَوْفَ يحملُ في جَوْفِهِ
كانتِ الريحُ تَمشُطُ أوْهامَهُم
مِثلَ أمٍّ تُسَرّحُ شَعْرَ الغُزاةِ..
بلا ريبةٍ أو خَبَر.
أَتَوْا.. وفي الراحِ صَرُّ الحديدِ
وفي الرئةِ المكتظّةِ..
غُبارُ مَدائنَ لم تُولَدِ
يدوسونَ عُشبَ الروابي
كأنّهم يدوسون الذاكرةَ الخضراءَ
يَجتثُّونَ الضياءَ
من أعينِ الأطفالِ
دونَ ارتعاشَةِ جَفنٍ..
أو وَخزةٍ من كَدَر.
لَمْ تصرخِ الأرضُ..
لكنّها دَفنَتْ وجَعَ العُمرِ
في جِذرِ زيتونةٍ
في حليبِ النَّساءِ..
وفي أغنياتٍ كَسيرةْ..
تنامُ على صَدرِ رَاعٍ قَديم.
والبحرُ..
ذلكَ الشيخُ المعتّقُ بالملحِ
يرقُبُهم بعيونٍ
من الندمِ المُستفيقِ
يَحفظُ سِحْنَاتِهِم
كما تُحفظُ الخَطيئةُ في لوحِها..
عصيّةً على النارِ
والمحوِ والمؤتَمَر.
ها هُم.. يعودونَ دونَ خُطى
كأنّ الترابَ يشدُّ مَواطِئَهُم
خيطاً فخيطاً..
صَوْبَ مَهاوي العَدَم.
يطوونَ أشرعةَ الزّيفِ
كما يُطوى الجرحُ القديمُ
يفرّونَ..
وفي الظّهرِ عواءُ بيوتٍ ترفُضُهُم
وفي الصدرِ فَجوةُ تِيهٍ..
أوسعُ من بَحْرِهِمْ.
يهرُبونَ.. تحتَ سماءٍ تُنكِرُهُم
تحتَ شمسٍ
تُرقّمُ أسماءَ مَنْ ذُبِحوا
ولا تذكُرُ العابرين.
يذوبونَ في دَرْبِهِم
كذَوبانِ الظّلالِ
إذا ما اكتشفَتْ.. أنّها بلا جَسدٍ حَيّ.
يعودونَ خِفافاً..
كأنّهم لم يُثقلوا قَلبَ هذا الترابِ
ولم يتركوا فيهِ
غَيْرَ خَدْشٍ ضئيلٍ..
بجبهةِ هذا الزّمَن.
سيأتي الصباحُ..
هادئاً كاعتيادِ الندى
يَمُرُّ على مَسرحِ الفَقْدِ
يمسَحُهُ بكفِّ الضياءِ
ويَهمسُ للأرضِ:
"ها قد استعادَ كلُّ شيءٍ اسمَهُ الأوّلَ"
وكأنّ الغُزاةَ.. لم يَكونوا ...!!


أي رسالة أو تعليق؟

مراقبة استباقية

هذا المنتدى مراقب استباقياً: لن تظهر مشاركتك إلا بعد التصديق عليها من قبل أحد المدراء او المديرات.

من أنت؟
مشاركتك

لإنشاء فقرات يكفي ترك سطور فارغة.

الأعلى