الاثنين ٢ تشرين الثاني (نوفمبر) ٢٠٢٦
بقلم صالح مهدي محمد

مجرّدُ حلم

(1)

لم يكن الأمرُ أكثرَ من شهقةٍ خاطفة،

سقطت من غيمة النوم

على جفن الليل،

فانشقَّ المدى عن وطنٍ

لم تدرك أرضُه وقعَ الخوف،

ولم تُعلّق مآذنُه أسماءَ الراحلين

على أوتاد الوداع.

هناك،

كان العالمُ يخلعُ عن كتفيه

معطفَ الخراب،

ويجلسُ إلى جوارنا

كأنّه لم يعرفْ يومًا

كيف يكون غريبًا.

(2)

كانت يداكِ تحملان الضوءَ

كخبزٍ دافئ،

وكانت الشوارعُ تفتح أبوابها

للعابرين

دون أن تسألهم

عن الجهات التي جاؤوا منها،

أو عن الخراب الذي تركوه وراءهم.

لم نكن نحصي الساعات،

ولا نتحسّسُ الخيباتِ

في جيوب أعمارنا المثقوبة.

كان الوقتُ يمشي حافيًا،

وكانت اللحظةُ واسعةً

إلى الحدّ الذي يجعلنا نصدّق

أن الحياة لم تُخلق

لتكون امتحانًا طويلًا

في احتمال الألم

.

(3)

رسمنا على جدار الفراغ نافذةً،

فخرجت منها الطيورُ

التي أضاعها الرحيل،

وعادت الأغنياتُ

إلى حناجرها القديمة.

لم يكن وراء النافذة بحرٌ،

ولا حديقةٌ،

ولا طريقٌ يقود إلى مكان؛

كان هناك اتساعٌ فحسب،

اتساعٌ يكفي

لألا يصطدم قلبان

بجدارٍ كلّما حاولا الاقتراب.

قلتُ لكِ:

دعينا نبقَ هنا قليلًا،

فالأرضُ في الخارج

تضيق بأجنحتنا،

وكلما اتسعت السماء

اخترعوا لنا

سقفًا جديدًا

.

(4)

كان الصباحُ يتربّص خلف الباب.

لم يطرقه،

بل أدخل إصبعًا باردًا

من جُرحٍ صغير.

فارتجفت المدينة،

وتصدّعت الشوارعُ في عيوننا،

وتساقطت من الجدران

نوافذُ لم تكن هناك.

رأيتُ يديكِ تبتعدان،

لا لأنّكِ أردتِ الرحيل،

بل لأنّ المسافةَ

كانت تستيقظ بيننا

أسرعَ من قدرتنا على إغلاق أعيننا.

ثم انطفأت المدينة

كما تنطفئ جملةٌ

قبل أن يبلغ معناها

فمَ قائلها.

(5)

استيقظتُ.

كانت الغرفةُ في مكانها،

والحائطُ يعرف صمته القديم،

والنافذةُ مغلقةً

على شارعٍ لا ينتظر أحدًا.

قلّبتُ كفّيَّ؛

لم أجد سوى أثرٍ من ندى،

ورائحة ياسمينٍ

لا يعرفها هذا البيت.

تحسّستُ الفراغ

كأنني أتحسّسُ عتبةَ بابٍ

أضاعه المكان.

ثم ابتسمتُ.

أيُّ فقرٍ هذا

الذي يجعل الإنسان يشرح لقلبه

كيف حدث ذلك،

وكيف استطاع أن يصدّق السعادة، ولو في حلم؟


أي رسالة أو تعليق؟

مراقبة استباقية

هذا المنتدى مراقب استباقياً: لن تظهر مشاركتك إلا بعد التصديق عليها من قبل أحد المدراء او المديرات.

من أنت؟
مشاركتك

لإنشاء فقرات يكفي ترك سطور فارغة.

الأعلى