الأحد ١٢ شباط (فبراير) ٢٠٠٦
ميسون صقر شاعرة ترسم القصيدة بألوان اللوحة!

فنانة تشكيلية وشاعرة في آن واحد

القاهرة - أحمد منير الإسكندراني عن المشاهد السياسي

لا نعرف . .هل نقدم "ميسون صقر" كشاعرة أم كفنانة تشكيلية؟! تقول لنا: لا أستطيع فصل نفسي كفنانة تشكيلية، عني ككاتبة وشاعرة، أحس أن روحي تحمل الإبداع، أما أشكاله: فالرسم والشعر وما يظهر بعد ذلك من أشكال أخرى، هما جناحان أطير بهما الى قوس قزح. حين نمتلك أدوات مادة ما نقوم تجاهها ولكن يظل الباقي مشتعلاً داخلنا . . فما بالك إن امتلكت أدوات مادة أخرى، ستتداخل معك شئت أم أبيت، فكيف لي أن أفصل الكتابة عن التشكيل على الرغم من أن لكل منهما تقاطعاته وأدواته، هما يتماهيان من ناحية ويفترقان من ناحية أخرى .. أحببت صورة كتبها الشاعر يوسف أبو لوز "قال عني فيها: لأنها تشكيلية أولاً كما هي شاعرة أولاً، وأرى أنها تركض في حقلين من الذرة الخضراء المسترسلة في هدأة الفلاحين إذ هي تفلح الشعر بالكتابة وتفلح الرسم بالألوان. هي فلاحة بسيطة لعلها رأت ألوان الكلمات أولاً . . فرسمتها . . لعلها رأت الكلمات فرسمتها قبل أن تكتبها، هي شاعرة وتشكيلية في آن واحد، في لغة واحدة في فلاحة إبداعية واحدة، حتى وإن كانت تركض في حقلين". إذن هو يعلم أنني أربط بين الشعر والتشكيل في الحالة الإبداعية ولكنني أجعل كلاً منهما منفصلاً ومستقلاً في محاولات تطويره.

وقال الشاعر "عباس بيضون" أن معارضي هي مطحنة أساليب . . وهو أيضاً يعلم كيف ألتهم الحالات كي أفرز عسلي الخاص وأنتقل في الإبداع مثلما أنتقل من وردة الى وردة بحثاً عن بداية جديدة كل مرة، فأنا نحلة دؤوب تبحث عن عسلها. يتشكل الإبداع بشكل الإناء الموضوع فيه، شريطة أن تمتلك الأدوات وتتهيأ له بالسبل. لدي شعور وأنا أكتب أن هناك شيئاً ما ينقصني حيث أن الكتابة ينقصها اللون والرائحة .. شيئاً له علاقة باليد وحركة الجسد، بأن أشحن بأشياء أخرى غير تلك التي أعرفها، وحين بدأت الرسم كنت مصرة على أن يضاهي الشعر ويماثله لأن الرسم موجود في أعماقي كما الشعر كما هو محفور في الكهوف والمعابد القديمة، كائن كامل مستقل بذاته بل وظل ينافس الشعر عندي كما لو أنهما طفلان يريدان الحياة ولكل حقه في أن يعيش.

كنت أرسم وفي داخلي الحس الشعري، وهذا ما يميزني عن الآخرين، وهو ما يميز شعري أيضاً، لأنني أكتب وفي داخلي حس التشكيل، والذي فتح أمامي آفاق لغة اللون بكل ما تعنيه عن المزج والتركيب وخلق ألوان أخرى، والملامس والكتل والفراغ، علاوة على طقوس الفعل في كل منهما والتي تختلف في كل منهما عن الآخر.

في الكتابة يكون الشاعر وحيداً مع قصيدته، مشحون بها. لكن في الرسم لا بد أن يثب المكان لكي تضع فيه اللوحة والألوان، وكل ما له علاقة بالحرفية، الرسم متصل بالحركة، بالجسد، بالموسيقى والرقص. أما في الكتابة فأنت وحيد تعتصرها وتجرح ذاتك من الداخل لكي تكتب، الكتابة لها علاقة مباشرة بتاريخنا، فنحن أمة لها علاقة مكشوفة باللغة أكثر من الرسم، ولهذا فهي فاضحة لنا، كاشفة لكل ما نقوله ولهذا فهي تحتاج للجرأة. . أو الاختباء وراء الغموض.

تقليدية داخل إطار العالمية!

أتساءل كيف تكون الثقافة جزءاً أصيلاً من حياة شعب ما. وكيف تكون الثقافة التقليدية لمصلحة تطور الثقافة العامة في عالم تمتزج فيه التقليدية داخل إطار العالمية دون فصل كامل ودون أن يقع الفنان أو الشاعر في أسر هذه الثقافة التقليدية دون تطويرها واستخدامها كنوع من أنواع العفوية دون تخليصها من موروثها الشعبي. أحاول التعامل مع علاقة غير ظاهرة تطرح من خلال القيمة الموجودة داخل عملية التشكيل نفسها وأعتقد أنني أربط بين أجواء الشعر والتشكيل في الحالة الإبداعية وجعل كل منهما أيضاً منفصلاً ومستقلاً عن الآخر في محاولة تطويره، وأركز على الحكاية الشعبية بالإضافة الى، وبمؤازرة، فكرة المعرفة الجارحة.

طفولتي مع الصورة

منذ طفولتي وأنا مغرمة بالصورة بمعناها العام، وبالتدريج بدأت أهتم بالتصوير وأتأمل قدرة هذا الفن على تثبيت لحظة زمنية في إطار. وعلى الرغم من مرور الوقت تظل تلك اللحظة التي خلدتها الصورة محتفظة بطاقاتها وقوتها التعبيرية. هذا الغرام دفعني في سن كبيرة الى الاهتمام بما يسمى "المشهد" وعناصر تكوينه . . سواء في اللوحة أو في القصيدة . . أترك الأشكال والأساليب الفنية في حال الفتاح وتجاور حتى أكسر الحدود الوهمية بين الشعر والفن التشكيلي والذي لم يعد ينظر اليه منفصلاً تماماً حيث تتشابك الأشياء في الأصل.

  إذن هناك نزاع بين التشكيل والشعر؟!

كل شيء يميل الى أن يكون شعرياً، فالوجوه والأشكال والأفكار في اللوحة وفي اللغة تفضي الى انشغالي بطريقة شعرية، إذ لا يوجد انقسام ما. أنا أعمل في الإبداع كمطحنة . . وأجرب نفسي لأن مفهوم الإبداع عموماً ليس مغلقاً ضمن لغة أو صبغة بل هو منفتح وحر في فضاء واسع.

وهما، أي الشعر والرسم، متوحدان وممتزجان ودخول اللون والمساحات والفراغ والضوء والكتل، جعلني أعمل بشكل أكثر دراية للمحسوس اللوني والسطحي ولحساباتها في اللوحة أو القصيدة.

إذن هما وجهان لعملة واحدة، ولكن لا يفسران بعضهما فما أراه في رسمي وشعري هو تلك العلاقة البصرية اللغوية ليصبح النص ذا شقين: رسم وشعر. وحين أمارس أحدهما فأنا أبني بناءً معمارياً لديه التصميم الفني والمساحات والفراغات والكتل والإضاءة والعتمة، والملامس بجانب الأحلام الشاعرية والصورة المركبة. فالاحتفاء باللغة يتوارى مع الاحتفاء بالألوان. وفكرة الآخر شعرياً تتقاطع مع فكرة الآخر عنه بصرياً، ومعالجة الهامش والمركز في القصيدة تتماشى مع معالجة ذلك تشكيلياً، إذن هناك هذا التفاعل المستمر في الخلفية الثقافية.

هكذا أورط ذاتي لأنني أنتمي الى الشاعر. . والفنان الناقص لذا أحاول أن أكمل حالتي بالبحث عن الحالة الإبداعية بكاملها، لا لأكتمل بل لألهث وراء قوس قزح، وكلما اقتربت منه ابتعدت كثيراً.

الكتابة على هامش القصيدة

ويقول عنها الشاعر والناقد التونسي "محمد غلزي": هذه الشاعرة التي أصدرت عدداً من الأعمال ظلت تكتب على هامش القصيدة العربية كما تمثلها الرواد، واستتبت شرائطها الفنية في الذاكرة الأدبية العامة، فهي ما فتئت تسير على الحد الفاصل بين الشعر وبقية الأجناس والفنون، تغتذي منها دون أن تذوب فيها. شجرة نسب قصيدتها لا تنبثق من الشعر العربي فحسب وإنما من قارات شعرية أخرى نخص بالذكر منها السوريالية التي وشمت ذاكرة مجاميعها بنار حرائقها . . وقصيدة النثر الغربية التي لونت لغتها وطرائق أدائها . . وفن الرسم الذي بسط ظلاله على كل صورها ومجمل رموزها.

وبدت قصيدة "ميسون صقر" فضاء تتجاوب فيه أصداء كثيرة وفنون عديدة، لكن تلك الأصداء وهذه الفنون ظلت على اختلالها تحيا داخل هذه القصيدة في كنف العافية.

ويضيف:

تجربة "ميسون صقر" هي تجربة اللغة انسلخت عن ذاكرة القبيلة وابتكرت لنفسها طقوسها الجديدة ومراسمها الشعرية المخصوصة فهي لا تحيل على شاعر آخر بقدر ما تحيل على نفسها، إنها اللغة التي تنعطف على ذاتها لتقول وجدتها وتشظيها، فشعر "ميسون" خرج على حدود الفنائية من دون أن يتنكب عن الأنا وأشاح عن النبرة الرومانسية من دون أن يفقد حرارة المعاناة ونبض الوجدان. فهي في مجامعيها تقدم صوراً لحركة الروح، رمزاً لذلك الطيران الذي يمثل جوهر الشعر ومعناه الأزلي، لهذا يعسر أن نزج بهذه التجربة في خانة شعرية بعينها، ويعسر أن نخلع عليها صفة مخصوصة. فميسون صقر أفادت من كل الروافد الفنية وأرخت العنان لقصيدتها تبتكر شكلها وتصوغ رموزها وتشكل لغتها دون أن تلتزم بمرجعية شعرية واحدة.

عزلتنا . . وليدنا الوحيد!

 تقول الشاعرة:

"ظللنا نربي عزلتنا، وكأنها وليدنا الوحيد. . هكذا أبدأ الوعي".

ربما كانت هذه الكلمات المفتاح الذي نلج به فضاء "البيت" - مجموعتها الرابعة – والبيت في قصائد هذه المجموعة ليس رديف الاستقرار والسكون بقدر ما هو قرين الرحيل والخروج، فهو باب مشرع، وكوة مفتوحة وطريق سالكة بحيث يصبح الدخول اليه خروجاً الى أفق لا يحد منتهاه. في فضائه تبصر الشاعرة "الحصون ترتفع، والجنود يجأرون بالشكوى فيتحول السكون الى صخب، والعزلة الى لقاء، والوحدة الى احتضان لكل الغائبين يهبطون من كل الجهات، من كل العصور".

هكذا يصبح البيت طريقاً الى الداخل، الى ليل النفس الأكبر، الى كل ما استتر واستخفى وظل في أغوار النفس مكتماً، فالدخول اليه هبوط الى الأعماق وانحدار في بئر الروح، اضطراب في العتمة حيث صور الماضي تتناسخ من بعضها البعض.

خط الاستواء بين القصيدة واللوحة

ويقول الناقد التشكيلي والشاعر المصري "أشرف أبو اليزبد":

"بالنسبة إلي يبدو الحديث عن الشاعرة والتشكيلية الإماراتية "ميسون صقر" متأخراً، ليس فقط لأنني تعرفت على تجربتها في الأدب والفن منذ زمن، بل لأن لقاءاتنا كانت ترعى في حقولهما كثيراً، وكان من اليسير أن أدبر حواراً معها حولهما، لكنني كنت أقف عند ذلك الحد الفاصل، الذي يشبه خط الاستواء الوهمي، بين القصيدة واللوحة. ومن هنا أردت أن أعوض ما فاتني بأن أجد في ذلك العبور الذي تتقنه ميسون متكأ للحديث عن الخبرتين معاً.

في ديوانها / كتابها "البيت" وبقصيدتها المعفوفة "اشتقاق" تقول "ميسون صقر":

في الغرف السوداء
امرأة بقلب فاحم
تفتح دولاب ملابسها
تخرج الثياب الميتة
وراء جنائز أخرى تعدها خصيصاً لخدشها
تسقط امرأة أخرى
تخرج من الصراخ
من لغة فجيعتها
مرعوبة، ومعتمة
يردمونها بالرمل
مردومة بالتأكيد على الحياة
فتشنق وجودها

هنا تستعيد الشاعرة صيغة النفي الجسدي الذي مارسته القبيلة العربية ضد المرأة. ولم يعد وأد الأنثى هنا مجرد حادثة تاريخية منبتة الصلة بالماضي. بل هنالك – إن شئنا وجاز لنا القول وأد متجدد يتخذ أكثر من صيغة تعبيرية، متجدداً، هناك جنازة للأنثى، جسدها وروحها، لكن المرأة ستجد بعثها مرة أخرى، ربما في اللغة.

وتغمس الشاعرة روح قصائدها في لغة التشكيل، بشكل يجعلنا نستعيد المشهد بأكثر من زاوية لونية، لذا تتلون القصائد بدهنية فكرية خالصة. تجعل من السهل على القارئ أن يضع يده على الأفكار التي تمرح في غياب الحروف.

وفي لوحاتها تعبر ميسون عن محنة الجسد دون أي مصادفات: الأنثى دون كفين، المرأة ذات النهد الواحد، مكسورة الرقبة، غير مكتملة الساقين، مشوهة الملامح ضائعتها . . كتلة بلا حراك . . المأسورة داخل حيز ضيق بمشاعرها وجسدها. إنها لوحات المرأة ذاتها التي تظهر في القصائد، وفي المقابل نجد أن اكتمال الجسد يأتي فحسب مع وجود الآخر.

وحين تظهر الثنائية في لوحاتها (هي والآخر) تبدو لنا لغة السعادة أكثر من واضحة وبهية متمثلة في الطيور التي تبتسم بين ظليهما أو الستائر التي تموج بالألوان خلفهما.

القاهرة - أحمد منير الإسكندراني عن المشاهد السياسي

مشاركة منتدى

  • الاخت العزيزة ميسون ارجوا ان تتعابي برنامج كنوز الشعر على قناة شهرزاد كل يوم من الساعة 8.00/9.00 صباحا ساخصص لك حلقة ارجوا المتابعة للاستفسار الاتصال 009613864801 او البيريد الالكتروني kounouzelche3ar@hotmail.com

أي رسالة أو تعليق؟

مراقبة استباقية

هذا المنتدى مراقب استباقياً: لن تظهر مشاركتك إلا بعد التصديق عليها من قبل أحد المدراء او المديرات.

من أنت؟
مشاركتك

لإنشاء فقرات يكفي ترك سطور فارغة.

الأعلى