الجمعة ٣ تموز (يوليو) ٢٠٢٦
بقلم سليمان أحمد عبد الدايم

حين يصبح النسيان رفاهية

الذاكرة الرقمية في عصر لا ينسى

كان الزمن، عبر قرون طويلة، يقوم بدور لا يلتفت إليه الإنسان إلا بعد أن فقده؛ فقد كان يطوي الصفحات القديمة بهدوء، ويمنح الأخطاء فرصة لتذوب في النسيان، ويترك للإنسان مساحة يبدأ منها حياة جديدة دون أن تلاحقه تفاصيل الأمس في كل خطوة. لم يكن النسيان عيبًا في الذاكرة، بل كان جزءًا من رحمة الحياة، يخفف عن الإنسان ثقل الماضي، ويمنحه القدرة على التغير والنضج. أما اليوم، فقد تبدلت المعادلة. فالعصر الرقمي لا ينسى، والإنترنت يحتفظ بكل شيء، حتى بما ظن أصحابه أنه انتهى إلى الأبد.

لم يعد الماضي مجرد ذكرى يعيشها الإنسان في ذاكرته، بل أصبح أرشيفًا مفتوحًا يمكن استعادته بضغطة زر. صورة قديمة، أو تعليق عابر، أو رأي كُتب في لحظة انفعال، قد يظل حاضرًا بعد سنوات طويلة، وكأنه كُتب بالأمس. وهكذا، لم يعد الإنسان يواجه حاضره وحده، بل يواجه أيضًا كل النسخ السابقة من نفسه، بما حملته من أخطاء، وتناقضات، وتجارب لم يعد يشبهها.

ولعل المفارقة الأكثر إثارة للتأمل أن الإنسان لم يتغير في جوهره؛ فما زال يخطئ ويتعلم، ويتراجع عن أفكاره، وينضج مع الزمن، لكن البيئة التي يعيش فيها لم تعد تمنحه الحق نفسه في أن يُنسى. فالمجتمعات القديمة كانت تسمح للزمن بأن يؤدي وظيفته الطبيعية، أما اليوم، فقد أصبحت الخوادم الإلكترونية أكثر وفاءً للماضي من ذاكرة البشر أنفسهم.

وقد ساهمت وسائل التواصل الاجتماعي في تكريس هذا الواقع. فهي لا تكتفي بتوثيق اللحظات، بل تعيد تقديمها باستمرار، فتذكر الإنسان بما نشره قبل سنوات، وتعيد تداول صور ومواقف ظن أنها أصبحت جزءًا من تاريخه الشخصي. ومن هنا، أصبح الماضي حاضرًا دائمًا، لا لأن الإنسان يريد استعادته، بل لأن التكنولوجيا ترفض أن تتركه يرحل.

ومن أخطر ما ترتب على ذلك أن الخطأ لم يعد حدثًا عابرًا، بل أصبح سجلًا دائمًا. فالكلمة التي كانت تُقال ثم تنتهي، أصبحت قابلة للانتشار إلى ما لا نهاية، والصورة التي كانت تُلتقط لذكرى خاصة، قد تتحول إلى مادة يتداولها الغرباء بعد سنوات. وهكذا، أصبح الإنسان أكثر حذرًا في التعبير عن نفسه، وأكثر قلقًا من أن تتحول لحظة عابرة إلى حكم دائم يلازمه طوال حياته.

لكن المشكلة لا تتعلق بالأخطاء وحدها، بل تمتد إلى مفهوم الهوية نفسه. فالإنسان ليس كائنًا ثابتًا، وإنما مشروع دائم للتغير. وما يؤمن به في العشرين قد يراجعه في الثلاثين، وما يكتبه اليوم قد يراه غدًا بحاجة إلى تصحيح أو تطوير. غير أن الذاكرة الرقمية لا تعترف بهذا التحول؛ فهي تحتفظ بجميع النسخ السابقة، وتضعها جنبًا إلى جنب، وكأن الإنسان مطالب بأن يبقى مطابقًا لما كان عليه قبل سنوات.

ومن هنا، يبرز سؤال أخلاقي بالغ الأهمية: هل يحق للإنسان أن يبدأ من جديد؟ وهل يملك المجتمع الحق في محاسبة الفرد إلى الأبد على كل ما قاله أو فعله في مراحل مختلفة من حياته؟ إن العدالة لا تقوم فقط على محاسبة الخطأ، بل تقوم أيضًا على الاعتراف بإمكانية التغير والإصلاح. أما حين يتحول الماضي إلى سجن دائم، فإن الإنسان يفقد أحد أهم حقوقه الإنسانية، وهو حق النمو.

ومن المفارقات اللافتة أن العصر الذي منح الإنسان قدرة غير مسبوقة على حفظ المعلومات، قد جعله أقل قدرة على التسامح. فكل شيء قابل للاسترجاع، وكل زلة قابلة لإعادة النشر، حتى أصبح النسيان نفسه رفاهية لا يحصل عليها إلا القليل. ولم يعد السؤال: ماذا فعل الإنسان؟ بل: هل يستطيع أن يتحرر مما فعل؟

غير أن المشكلة لا تكمن في التكنولوجيا ذاتها، فهي في النهاية أداة تحفظ أكثر مما تنسى، وإنما في الطريقة التي نتعامل بها معها. فالذاكرة الرقمية تستطيع أن تحفظ الوقائع، لكنها لا تستطيع أن تحفظ السياق الذي حدثت فيه، ولا الظروف التي أحاطت بها، ولا مقدار التغير الذي طرأ على صاحبها. إنها تحفظ الحدث، لكنها تعجز عن حفظ رحلة الإنسان التي جاءت بعده.

ولعل الحضارات لم تمجد التسامح من فراغ، بل لأنها أدركت أن الإنسان لا يظل الشخص نفسه طوال حياته. فكل تجربة تغيره، وكل خطأ يعلمه، وكل أزمة تعيد تشكيل نظرته إلى العالم. وإذا كنا نؤمن بأن الإنسان قادر على التعلم، فعلينا أن نؤمن أيضًا بحقه في ألا يبقى أسيرًا لأقدم نسخة من نفسه.

وفي النهاية، يبقى السؤال معلقًا: إذا كان الإنسان يملك الحق في أن يتغير، فهل يملك أيضًا الحق في أن يُنسى؟ أم أننا دخلنا عصرًا أصبحت فيه الذاكرة الرقمية أقوى من الغفران، وأطول عمرًا من قدرة الإنسان على البدء من جديد؟


أي رسالة أو تعليق؟

مراقبة استباقية

هذا المنتدى مراقب استباقياً: لن تظهر مشاركتك إلا بعد التصديق عليها من قبل أحد المدراء او المديرات.

من أنت؟
مشاركتك

لإنشاء فقرات يكفي ترك سطور فارغة.

الأعلى