حين يصبح اليقين سجنًا
كيف يفقد الإنسان القدرة على الشك؟
لم يعرف الإنسان في تاريخه هذا القدر من المعرفة كما يعرفه اليوم. فالمعلومات أصبحت في متناول الجميع، والكتب، والأبحاث، والمحاضرات، وآراء الخبراء، كلها لا تبعد أكثر من ثوانٍ معدودة عن أي شخص يحمل هاتفًا ذكيًا. وقد بدا هذا التحول، في ظاهره، وكأنه سيقود إلى إنسان أكثر وعيًا، وأكثر انفتاحًا على الأفكار المختلفة، وأكثر قدرة على مراجعة قناعاته كلما ظهرت أمامه أدلة جديدة. غير أن المفارقة التي تستحق التأمل هي أن وفرة المعرفة لم تجعل الإنسان دائمًا أكثر استعدادًا للشك، بل جعلت كثيرًا من الناس أكثر يقينًا، حتى فيما لا يحتمل اليقين.
لقد كان الشك، عبر تاريخ الفكر الإنساني، نقطة البداية لكل معرفة حقيقية. فالإنسان لا يطرح الأسئلة إلا لأنه يشك، ولا يبحث عن الأدلة إلا لأنه يعترف بإمكان الخطأ، ولا يطور فهمه للعالم إلا لأنه يدرك أن ما يعرفه اليوم قد يحتاج إلى مراجعة غدًا. أما حين يتحول اليقين إلى حالة دائمة، فإن العقل يفقد أهم أدواته؛ لأنه يتوقف عن السؤال، ويكتفي بتكرار ما يظن أنه الحقيقة النهائية.
ولعل أخطر ما في اليقين المطلق أنه لا يمنح الإنسان شعورًا بالاطمئنان فحسب، بل يمنحه أيضًا شعورًا بالتفوق على الآخرين. فحين يقتنع الفرد بأنه يمتلك الحقيقة كاملة، يصبح كل رأي مختلف خطأً يجب تصحيحه، أو تهديدًا يجب مقاومته. وهكذا، لا يعود الاختلاف فرصة للحوار، بل يتحول إلى صراع بين من يظن أنه يملك الحقيقة ومن يعتقد أن الآخرين قد ضلوا عنها.
وقد ساهم العصر الرقمي في ترسيخ هذه الظاهرة بصورة غير مسبوقة. فخوارزميات المنصات الرقمية لا تقدم للإنسان دائمًا ما يحتاج إلى معرفته، بل ما يتوافق مع اهتماماته وقناعاته السابقة. ومع مرور الوقت، يجد نفسه محاطًا بآراء تشبه رأيه، وأخبار تؤكد تصوراته، وأشخاص يشاركونه الأفكار ذاتها، حتى يبدو له أن العالم كله يتفق معه. وفي هذه البيئة، لا يتراجع الشك فحسب، بل يختفي تدريجيًا، لأن الإنسان لم يعد يرى إلا ما يعزز يقينه.
ومن هنا، تنشأ مفارقة لافتة؛ فكلما ازدادت مصادر المعلومات، ازدادت أيضًا قدرة الإنسان على اختيار ما يناسب قناعاته فقط. ولم تعد المشكلة في نقص الأدلة، وإنما في الانتقائية التي يتعامل بها العقل معها. فهو يبحث عما يؤكد رأيه، ويتجاهل ما يناقضه، ويشعر براحة أكبر عندما يسمع ما يعرفه بالفعل، لا عندما يواجه فكرة تدفعه إلى إعادة التفكير.
ولعل التاريخ يقدم أمثلة كثيرة على أن أكثر الأخطاء تأثيرًا لم تكن نتيجة الجهل، بل نتيجة اليقين. فكثير من الأفكار التي بدت يومًا حقائق لا تقبل النقاش، تغيرت مع الزمن، سواء في العلوم أو الفلسفة أو الاجتماع. ولم يكن ذلك لأن الإنسان أصبح أذكى، بل لأنه امتلك الشجاعة الكافية لمراجعة ما كان يعتقد أنه ثابت لا يتغير.
ومن المفارقات اللافتة أن العلماء الحقيقيين، رغم ما بلغوه من معرفة، كانوا غالبًا أكثر تواضعًا في أحكامهم. فهم يدركون أن كل اكتشاف يفتح أبوابًا لأسئلة جديدة، وأن المعرفة ليست نهاية للطريق، بل بداية لطريق أطول. ولهذا، لم يكن الشك بالنسبة إليهم ضعفًا، بل منهجًا يحميهم من الوقوع في وهم الكمال.
لكن المشكلة لا تكمن في امتلاك القناعات، فالحياة لا تستقيم دون مبادئ وأفكار يستند إليها الإنسان، وإنما تكمن في تحول هذه القناعات إلى جدران مغلقة تمنع أي ضوء جديد من الدخول. فهناك فرق كبير بين أن يؤمن الإنسان بفكرة لأنه اقتنع بها، وأن يرفض كل فكرة أخرى لأنه يخشى أن تهز يقينه. وفي الحالة الأولى يكون العقل حيًا، أما في الثانية، فإنه يتحول إلى سجين لما يعرفه.
ولعل أكثر ما يحتاجه الإنسان في زمن تتزاحم فيه الآراء ليس المزيد من الإجابات، بل المزيد من الأسئلة الجيدة. فالأسئلة لا تهدم المعرفة، وإنما تنقيها، والشك لا يعني رفض الحقيقة، بل السعي إليها بصدق. أما اليقين الذي يخاف من السؤال، فإنه لا يحمي الحقيقة، بل يحمي نفسه من اكتشاف أنه ربما كان مخطئًا.
وربما لهذا السبب، فإن المجتمعات التي تتقدم ليست تلك التي يظن أفرادها أنهم يمتلكون الحقيقة كاملة، بل تلك التي تسمح لأفكارها بأن تُناقش، وتُراجع، وتُختبر باستمرار. فالتقدم لا يبدأ عندما يجد الإنسان جميع الإجابات، وإنما يبدأ عندما يمتلك الشجاعة ليعترف بأن بعض الأسئلة ما زالت مفتوحة.
وفي النهاية، يبقى السؤال معلقًا: هل اليقين دائمًا علامة على قوة الفكر، أم أنه قد يكون، في بعض الأحيان، القيد الذي يمنع العقل من أن يرى ما هو أبعد مما اعتاد أن يراه؟ فربما لم يكن أخطر أنواع السجون تلك التي تُبنى من الحجر، بل تلك التي تُبنى من الأفكار التي نرفض أن نراجعها.
