السبت ١٣ حزيران (يونيو) ٢٠٢٦
بقلم صالح سليمان عبد العظيم

الدفاع عن العلوم الإنسانية ضد نفسها

البحث العلمي والسياسة ومسألة الموضوعية

قراءة وصفية وتقييمية لتقرير عن حالة البحث العلمي في العلوم الإنسانية والعلوم الاجتماعية الإنسانية

Report on the State of Scholarship in the Humanities and the Humanistic Social Sciences

صدر تقرير Report on the State of Scholarship in the Humanities and the Humanistic Social Sciences في 5 أبريل 2026، برئاسة بول بوغوسيان، أستاذ الفلسفة بجامعة نيويورك، وبمشاركة لجنة من الباحثين البارزين، تضم: كوامي أنتوني أبياه، أستاذ الفلسفة والقانون بجامعة نيويورك؛ كيت فاين، أستاذ الفلسفة والرياضيات بجامعة نيويورك؛ جوزيف هنريش، أستاذ الأنثروبولوجيا البيولوجية وعلم التطور الإنساني بجامعة هارفارد؛ كاثرين فليمنج، أستاذة التاريخ بجامعة نيويورك والرئيسة التنفيذية لمؤسسة جي. بول جيتي؛ جيسون ميرشانت، أستاذ اللسانيات بجامعة شيكاغو؛ جاري سول مورسون، أستاذ الآداب واللغات والآداب السلافية بجامعة نورث وسترن؛ جيديون روزن، أستاذ الفلسفة بجامعة برنستون؛ آشلي روبن، أستاذة علم الاجتماع بجامعة هاواي؛ وشون ويلنتز، أستاذ التاريخ الأمريكي بجامعة برنستون.
يتناول التقرير إحدى القضايا المركزية في التعليم العالي المعاصر، وهي موقع العلوم الإنسانية والعلوم الاجتماعية الإنسانية في ظل تراجع الثقة العامة بها، وتزايد الاتهامات الموجهة إليها بشأن ضعف المعايير العلمية وخضوعها لضغوط أيديولوجية. غير أن التقرير لا ينطلق من موقف معاد لهذه العلوم، بل يبدأ بالدفاع عنها بوصفها مكونا أساسيا في التعليم الجامعي الحديث؛ فهي، بحسب منطقه العام، تساعد على فهم الثقافة والتاريخ والقيم والمعنى والحياة الاجتماعية، وتمنح الدارس قدرة أعمق على التفكير النقدي والحكم الأخلاقي والمشاركة الواعية في المجتمع.

لا ينشغل التقرير أساسا بقضايا التدريس الجامعي أو انخفاض معدلات الالتحاق أو السياسات الجامعية اليومية، بل يركز على سؤال أكثر تحديدا: هل تأثرت جودة البحث العلمي في العلوم الإنسانية والاجتماعية الإنسانية بفعل التسييس الأيديولوجي؟ وتكمن أهمية هذا السؤال في أنه لا يهاجم موضوعات البحث الجديدة، مثل العرق والنوع الاجتماعي والاستعمار واللامساواة والعدالة الاجتماعية، بل يسأل عن الطريقة التي تُنتَج بها المعرفة حول هذه الموضوعات، وعن المعايير التي تُقبل بها البحوث أو تُرفض.

يميز التقرير بين الانخراط السياسي المشروع والتشويه السياسي للبحث العلمي. فالالتزام الأخلاقي أو السياسي لا يجعل البحث ضعيفا بالضرورة، كما أن دراسة الظلم أو التهميش أو البنى السلطوية ليست مشكلة في ذاتها. إنما تبدأ المشكلة حين تتحول النتيجة السياسية المرغوبة إلى معيار مسبق للحكم على البحث، أو حين تُستبعد الآراء المخالفة لا بسبب ضعفها المنهجي، بل لأنها لا تنسجم مع الحساسية الأيديولوجية السائدة. ومن هنا يدافع التقرير عن استقلالية البحث العلمي، أي عن ضرورة أن تظل الادعاءات الأكاديمية خاضعة للأدلة والحجج والمنهج والنقد، لا للقبول الأخلاقي أو السياسي المسبق.

ويحدد التقرير عددا من مظاهر التسييس الإشكالي، من بينها إغلاق القضايا الخلافية مبكرا واعتبارها محسومة أخلاقيا أو علميا، رغم أن الأدلة بشأنها لا تزال قابلة للنقاش. كما ينتقد استبدال هدف الفهم العلمي بإنتاج سرديات نافعة سياسيا أو مريحة أخلاقيا. ويذهب أبعد من ذلك حين يناقش أثر بعض التصورات النسبية وما بعد الحداثية التي تشكك في مفاهيم الحقيقة والدليل والموضوعية، وترى أن المعرفة لا تنفصل عن السلطة والموقع الاجتماعي. ويرى التقرير أن هذا التصور، إذا أُخذ إلى نهايته القصوى، يهدد الأساس الذي تقوم عليه الجامعة بوصفها مؤسسة لإنتاج المعرفة لا مجرد ساحة لتأكيد المواقف الأيديولوجية.

تكمن قوة التقرير في دفاعه عن معيار ضروري لأي بحث أكاديمي جاد: التمييز بين ما هو صحيح أو مدعوم بالأدلة، وما هو مرغوب أو مفيد سياسيا. فالعدالة الاجتماعية نفسها، كما يوحي التقرير، تحتاج إلى معرفة موثوقة، لا إلى نتائج مقررة سلفا. وإذا أصبح البحث العلمي وسيلة لإنتاج استنتاجات مفضلة، فقد يخدم النشاط السياسي مؤقتا، لكنه يضعف في المدى البعيد صدقية القضايا التي يدافع عنها.

ومن جوانب القوة كذلك أن التقرير لا يدعو إلى تدخل إداري قمعي في عمل الأقسام الأكاديمية. فهو يقر بأن الجامعة تعتمد على الخبرة التخصصية، وأن الإداريين لا ينبغي أن يحلوا محل الباحثين في تقييم المعرفة. لكنه يدعو إلى مراجعة يقظة للمعايير العلمية، مع تحذير واضح من استبدال تسييس يساري بتسييس يميني. وهذه نقطة مهمة، لأن التقرير نفسه قد يُساء استخدامه من قوى سياسية معادية للعلوم الإنسانية، بينما جوهره المعلن هو حماية البحث من كل أشكال الإملاء الأيديولوجي.

مع ذلك، لا يخلو التقرير من أوجه قصور. أبرزها أن أدلته لا تبدو كافية دائما لتعميم أحكام واسعة على تخصصات بأكملها. فهو يعتمد في مواضع كثيرة على أمثلة وحالات دالة، لكنها لا تثبت بالضرورة مدى انتشار الظاهرة. ولذلك يبدو التقرير قويا بوصفه تحذيرا فكريا، لكنه أقل حسما بوصفه تشخيصا إمبريقيا شاملا. والتقرير نفسه يعترف بأن نتائجه أولية، وأن دراسة تسييس البحث العلمي لا تزال بحاجة إلى أدوات كمية ومنهجية أكثر دقة.

كما أن التقرير يميل أحيانا إلى اختزال أزمة العلوم الإنسانية في البعد الأيديولوجي، مع أن الأزمة أعقد من ذلك بكثير. فتراجع الإقبال على هذه التخصصات يرتبط أيضا بضغوط السوق، وتغير تصورات الطلاب عن فرص العمل، وتقلص التمويل، وتزايد الهشاشة المهنية، وهيمنة منطق الإدارة والجدوى الاقتصادية على الجامعات. ومن ثم فإن تفسير أزمة العلوم الإنسانية من خلال التسييس وحده يمنح العامل الثقافي والفكري وزنا أكبر مما يحتمل.

كذلك تبدو معالجة التقرير لمسألة الموضوعية في حاجة إلى مزيد من التمييز. فرفض النسبية المطلقة لا يعني أن كل نقد للموضوعية باطل. لقد كشفت دراسات إنسانية جادة أن الأرشيفات ناقصة، وأن التصنيفات التاريخية ليست بريئة دائما، وأن المناهج العلمية قد تتأثر بافتراضات موروثة. وهذه الرؤية لا تنكر الحقيقة بالضرورة، بل تسأل عن شروط الوصول إليها. لذلك يكون التقرير أكثر إقناعا حين ينتقد تسييس الأدلة، وأقل إقناعا حين يقترب من مساواة النظريات التأويلية الدقيقة بالنزعة النسبية السطحية.

في المجمل، يمثل التقرير وثيقة مهمة لأنه يدافع عن العلوم الإنسانية من داخل الإيمان بقيمتها، لا من خارجها. فهو لا يطالب بتقليصها أو إقصائها، بل يدعوها إلى استعادة ثقتها في الدليل، والمنهج، والوضوح، والتعددية الفكرية، والانفتاح على الخلاف. غير أن قيمته الحقيقية لا تكمن في تقديم حكم نهائي على حال هذه العلوم، بل في طرح سؤال حاسم: هل تستطيع العلوم الإنسانية أن تظل ملتزمة أخلاقيا دون أن تصبح مقيدة فكريا؟ إن قوة العلوم الإنسانية لا تكمن في تجنب السياسة، بل في رفض أن تقرر السياسة مسبقا ما ينبغي للبحث العلمي أن يكتشفه.


أي رسالة أو تعليق؟

مراقبة استباقية

هذا المنتدى مراقب استباقياً: لن تظهر مشاركتك إلا بعد التصديق عليها من قبل أحد المدراء او المديرات.

من أنت؟
مشاركتك

لإنشاء فقرات يكفي ترك سطور فارغة.

الأعلى