السبت ٢٧ حزيران (يونيو) ٢٠٢٦
بقلم صالح سليمان عبد العظيم

شعبان يوسف وورشة الزيتون

المثقف الوسيط بين خدمة الهامش ورأس المال الرمزي

لا يمكن تناول شخصية شعبان يوسف بمعزل عن ورشة الزيتون؛ فالرجل لم يصنع حضوره الثقافي عبر الدواوين وحدها، ولا عبر النقد الأدبي بمعناه المدرسي، بل عبر موقع أكثر تعقيدا: موقع "المثقف الوسيط". فهو ليس فقط شاعرا أو ناقدا أو باحثا في تاريخ الأدب الحديث، بل هو أيضا صاحب منصة، ومنسق علاقات، وذاكرة متحركة لأجيال من الكتاب، وحارس غير رسمي لأرشيف الهامش الثقافي. هنا تحديدا تبدأ الإشكالية: هل نحن أمام تجربة ثقافية حقيقية انحازت إلى المهمشين ووسعت المجال العام للأدب، أم أمام صورة ثقافية صنعت حول ذاتها هالة أخلاقية كبيرة، مستفيدة من ادعاء مقاومة المركز بينما هي تمارس بدورها نوعا آخر من المركزية؟

تكتسب ورشة الزيتون أهميتها من كونها ظهرت خارج الجغرافيا التقليدية للثقافة القاهرية. لم تكن في قلب وسط البلد، حيث المقاهي التاريخية والندوات الرسمية ودور النشر الكبرى، بل في منطقة تبدو أقرب إلى الحياة اليومية العادية منها إلى الصالونات الثقافية. وهذا وحده منحها معنى رمزيا: الثقافة لا تصدر فقط من المركز، ولا تحتاج دائما إلى رعاية المؤسسة الرسمية أو اعترافها. بهذا المعنى، بدت ورشة الزيتون كأنها اعتراض عملي على احتكار العاصمة الثقافية داخل العاصمة نفسها؛ أي اعتراض على مركزية وسط القاهرة داخل القاهرة.

لكن قيمة أي تجربة ثقافية لا تقاس فقط بما تقوله عن نفسها، بل بما تتيحه فعليا للآخرين. ومن الإنصاف القول إن اسم شعبان يوسف ارتبط، في الوعي الثقافي المصري، بفكرة تقديم الأصوات المنسية، والاحتفاء بالكتاب الأقل حضورا، واستعادة تجارب طمستها الشهرة أو أزاحتها الشللية. لقد تحولت الورشة، في كثير من الشهادات، إلى مساحة يلتقي فيها كتاب لا يجدون بسهولة بابا مفتوحا في المؤسسات الكبرى أو الصحف الواسعة الانتشار. وهذا الدور لا يمكن التقليل منه؛ لأن الحياة الثقافية العربية، والمصرية خصوصا، لا تعاني فقط من قلة المواهب، بل من اختناق منافذ الاعتراف.
غير أن السؤال النقدي يبدأ من هنا بالضبط. فحين يصبح شخص ما بوابة لعبور المهمشين إلى الضوء، فإنه لا يظل مجرد مناصر للهامش، بل يصبح جزءا من آلية توزيع الاعتراف. أي أن من يمنح المنبر يملك، ولو ضمنيا، سلطة تحديد من يظهر ومن يبقى في الظل. وهنا تظهر المفارقة: التجربة التي قامت ضد المركز قد تنتج مركزا صغيرا خاصا بها؛ مركزا أكثر دفئا وأقل رسمية، لكنه يظل مركزا. ومن ثم فإن العلاقة بين شعبان يوسف وورشة الزيتون ليست علاقة فرد بمكان فقط، بل علاقة مثقف بمجال نفوذ رمزي.

هذا لا يعني بالضرورة وجود سوء نية. فالمشهد الثقافي لا يتحرك غالبا بمنطق المؤامرة الصريحة، بل بمنطق المصالح الصغيرة، والمجاملات، والديون المعنوية، والتحالفات الصامتة. المثقف قد يهاجم الشللية صباحا ويمارسها مساء باسم الوفاء للأصدقاء. وقد يرفض فساد المؤسسة الرسمية، ثم ينتج مؤسسة بديلة لها طقوسها ومقربوها ومريدوها. وقد يرفع شعار الانحياز إلى المهمشين، لكنه ينتقي من الهامش من ينسجم مع ذائقته، أو مع شبكة علاقاته، أو مع صورته عن نفسه بوصفه راعيا للمنسيين.

في هذا السياق، تبدو شخصية شعبان يوسف نموذجا مناسبا لفهم ازدواجية المثقفين. فالازدواجية هنا لا تعني النفاق الفردي المباشر بالضرورة، بل تعني التوتر البنيوي بين الخطاب والمصلحة. المثقف يتحدث عن الحرية، لكنه يحتاج إلى المنابر. يتحدث عن الاستقلال، لكنه يحتاج إلى الاعتراف. يتحدث عن الهامش، لكنه يريد أن يُعترف به هو نفسه بوصفه صوت هذا الهامش. ومن ثم يصبح الدفاع عن المهمشين قابلا لأن يتحول إلى رأس مال رمزي: رصيد من السمعة الأخلاقية يسمح لصاحبه بالحضور والسلطة والتأثير.

هذا ما يجعل تجربة ورشة الزيتون قابلة لقراءتين متداخلتين. القراءة الأولى تراها تجربة مقاومة ثقافية حقيقية: منتدى طويل العمر، استضاف كتابا من اتجاهات متعددة، وفتح نافذة لمن لا تلتفت إليهم المؤسسات، وحافظ على معنى الندوة الأدبية بوصفها لقاء حيا لا مجرد مناسبة بروتوكولية. في هذه القراءة، يصبح شعبان يوسف مثقفا عضويا بالمعنى العملي: شخصا لا يكتفي بالكتابة عن الثقافة، بل يخلق لها مكانا وزمنا وجمهورا.

أما القراءة الثانية، الأكثر قسوة، فترى أن كل تجربة طويلة العمر في الثقافة العربية معرضة لأن تتحول إلى مؤسسة مصالح، حتى لو بدأت ضد المصالح. فالحضور المتكرر، والقدرة على تقديم الأسماء، والعلاقة بالصحافة، والاقتراب من الجوائز والمؤسسات، كلها عناصر تصنع سلطة. وحين تتكون السلطة، يتكون حولها بالضرورة محبون ومنتفعون وخصوم ومهمشون جدد. عندها لا يعود السؤال: هل ورشة الزيتون مستقلة أم لا؟ بل: ما نوع السلطة التي أنتجتها؟ ومن استفاد منها؟ ومن بقي خارجها؟ ومن يملك حق الكلام باسم الهامش؟

الإنصاف يقتضي ألا نحاكم شعبان يوسف فقط باعتباره فردا، لأن الفرد هنا ابن منظومة ثقافية واسعة. الحياة الثقافية العربية كثيرا ما تعمل بمنطق الاعتراف الشخصي لا المؤسسي. الكاتب لا يكفي أن يكتب جيدا؛ عليه أن يعرف من يقرأ له، ومن يقدمه، ومن يكتب عنه، ومن يدعوه إلى ندوة، ومن يضع اسمه في ملف أو جائزة أو سلسلة نشر. لذلك تصبح العلاقات جزءا من الإنتاج الثقافي نفسه. المشكلة لا تبدأ عندما تكون للمثقف علاقات، بل عندما ينكر أن العلاقات تؤثر في توزيع القيمة.

ومن هنا يمكن القول إن أهمية شعبان يوسف تكمن أيضا في أنه يكشف عطبا أوسع في المجال الثقافي. فالشخصية التي تبدو من الخارج فردا استثنائيا هي في الحقيقة مرآة لنظام كامل: نظام يعاني من ضعف المؤسسات، وغياب المعايير الشفافة، وارتباك العلاقة بين الإبداع والصداقة، وبين النقد والمجاملة، وبين النضال الثقافي والرغبة في النفوذ. لذلك فإن نقد التجربة لا ينبغي أن يتحول إلى تصفية حساب مع شخص، بل إلى مساءلة لطريقة صناعة المكانة في الثقافة العربية.
لقد صنع شعبان يوسف، أو ساهم في صناعة، مساحة لها أثر واضح في المشهد الأدبي. هذه حقيقة يصعب تجاهلها. لكن الأثر لا يمنح صاحبه حصانة من السؤال. بل على العكس: كلما كبر الأثر، صار السؤال أكثر ضرورة. هل ظلت ورشة الزيتون منبرا مفتوحا بالفعل؟ هل استطاعت أن تتجنب منطق الشللية الذي انتقدته؟ هل كان الاحتفاء بالمهمشين موقفا معرفيا مستمرا، أم تحول أحيانا إلى علامة شخصية تضاف إلى سيرة صاحبها؟ وهل يمكن لمثقف أن يكون ضد المركز، وفي الوقت نفسه مركزا يدور حوله الآخرون؟

الإجابة ليست بسيطة. وربما تكون قوة شخصية شعبان يوسف في هذا الالتباس نفسه. فهو ليس نموذجا نقيا للمثقف المستقل، ولا نموذجا بسيطا للمثقف الانتهازي. إنه أقرب إلى نموذج المثقف الذي تحرك داخل تناقضات المجال الثقافي، فقاوم بعضها واستفاد من بعضها الآخر. وهذه هي الحقيقة التي لا يحب المثقفون الاعتراف بها: لا أحد يقف خارج شبكة المصالح تماما. الفرق فقط بين من يحوّل المصلحة إلى مشروع عام، ومن يحول المشروع العام إلى مصلحة شخصية مغلقة.

في النهاية، تبقى ورشة الزيتون علامة مهمة لأنها طرحت سؤال المكان البديل، وسؤال الهامش، وسؤال من يملك حق تقديم الكاتب إلى الحياة الثقافية. ويبقى شعبان يوسف شخصية جديرة بالقراءة لا لأنها خالية من التناقض، بل لأنها مليئة به. فالمثقف المؤثر ليس ملاكا ثقافيا، وليس بالضرورة مدعيا كاملا؛ إنه غالبا كائن مركب، يخلط الخدمة بالحضور، والرسالة بالرغبة في الاعتراف، والانحياز بالمصلحة، والذاكرة بالسلطة.

ومن يريد فهم الحياة الثقافية لا ينبغي أن يبحث فقط عن النصوص الجميلة، بل عن الأبواب التي تفتح وتغلق، وعن الأسماء التي تُرفع وتُنسى، وعن المنابر التي تبدأ مقاومة ثم تصبح جزءا من لعبة الاعتراف. في هذه المنطقة الرمادية تحديدا تقف تجربة شعبان يوسف وورشة الزيتون: بين فضيلة فتح المجال، وخطر امتلاك مفتاحه.


أي رسالة أو تعليق؟

مراقبة استباقية

هذا المنتدى مراقب استباقياً: لن تظهر مشاركتك إلا بعد التصديق عليها من قبل أحد المدراء او المديرات.

من أنت؟
مشاركتك

لإنشاء فقرات يكفي ترك سطور فارغة.

الأعلى