أرق
في منتصفِ الليلِ
كانَ السريرُ جزيرةً
والبحرُ ينمو في دمي...
وكانَ ظلّيَ
كلّما حاولتُ أن أنجو بهِ
عبرَ الجدارْ
عادَ إليَّ
بوجهِ ميتٍ
ونصفِ بابٍ
واشتهاءِ غبارْ.
أَرَقْ...
كأنَّ في رأسيَ بئرًا
كلّما ألقيتُ فيها نجمةً
عادتْ إليَّ
على هيئةِ حجرْ.
وكأنَّ هذا الليلَ
ليسَ الليلَ،
بل قفصٌ من المرايا
كلُّ مرآةٍ
تُعيدُ إليَّ وجهي
ناقصًا
وتسألني:
مَن أنتَ
حينَ ينامُ فيكَ البشرْ؟
أَرَقْ...
يا هذهِ الساعةَ
التي تأكلُ عقاربَها
وتنامُ واقفةً على حافّةِ العدمْ،
ماذا تريدينَ منّي؟
لقد خلعتُ اسمي
على عتبةِ النسيانْ،
وأطفأتُ المصباحَ
في الغرفةِ التي يسكنُها الغيابْ،
لكنَّ شيئًا
كانَ يجرُّ الليلَ من أطرافِهِ
ويزرعُ الموتى
على شُرفاتِ قلبي
واحدًا... واحدًا...
حتى غدا قلبي
مقبرةً
تُضيءْ.
هناكَ،
وراءَ نافذةٍ لا تُفتحْ،
امرأةٌ من دخانْ
تسرّحُ الليلَ بأصابعِها
وتخبّئُ القمرَ في جيبِ معطفِها.
أعرفُها...
رأيتُها مرّةً
في منامٍ نسيَ أن يستيقظْ،
وكانتْ تحملُ طفلًا
بلا وجهٍ
وتهمسُ:
هذا ابنُكَ الضائعُ
منذُ ألفِ احتمالْ.
مددتُ كفّي...
فاستحالَ الطفلُ ماءً،
واستحالتْ كفّيَ
غيمةً من رمادْ.
أَرَقْ...
كم بابًا طرقتُ
ولم يكنْ خلفَ الأبوابِ أحدْ؟
كم مرّةً ناديتُني
فأجابني رجلٌ
يشبهني
لكنَّهُ كانَ أبعدْ؟
أمشي على خيطٍ من النسيانْ،
وتحتَ خطوتي
تتفتّحُ الهاويةْ.
لا شيء يُسقطني...
ولا شيء يرفعني...
فقطْ
هذا الفراغُ
يُربّي في عظامي
جناحًا
من حجرْ.
وعندَ الفجرْ،
حينَ يمرُّ الضوءُ
مثلَ لصٍّ خائفٍ
على الجدرانْ،
أجمعُ أشلائي
وأرتّبُ الكراسيَّ
وأغسلُ وجهَ المرآةْ.
أقولُ:
لقد انتهى الليلُ...
لكنَّ في المرآةِ
نافذةً أخرى،
وخلفَ النافذةِ
ليلٌ آخرْ،
وفي آخرِ الليلِ
رجلٌ يحدّقُ فيَّ
بلا عينينْ...
ويبتسمْ.
أَرَقْ...
يا سرَّ هذا البابِ
بينَ النبضِ والعدمْ،
يا نجمةً
سقطتْ إلى الداخلِ
فلم يرَها أحدْ...
متى أنامُ
دونَ أن أتركَ الحلمَ
مفتوحًا
على هاويةْ؟
متى أكونُ
سوى جسدٍ
يستريحُ من اسمهِ
وتنامُ فيهِ
الأسئلةْ؟
في آخرِ الليلِ...
أطفأتُ قلبي.
لكنَّ شيئًا
ظلَّ في العتمةِ
يخفقْ.
