الخميس ٥ تشرين الثاني (نوفمبر) ٢٠٢٦

«كوني كالفينيق» لعُلا عرموش

ترصد رواية "كوني كالفينيق" للكاتبة الفلسطينية عُلا أنور عرموش رحلة إنسانية تتقاطع فيها الرغبة في التحرر مع القيود الاجتماعية والأسرية، من خلال حكاية فتاة تجد نفسها في مواجهة منظومة من الممنوعات والتوقعات التي تحدد لها ما يليق بها وما لا يليق.

تفتح الرواية الصادرة عن "الآن ناشرون وموزعون" بالأردن (2026) نافذة على عالم نسائي تتجاور فيه الأحلام المؤجلة مع الخوف والصمت، وتبحث في قدرة الإنسان على استعادة صوته، والتمسك بما يؤمن به، حتى عندما تأتي المعيقات من أقرب الناس إليه.

ويحضر عنوان الرواية بوصفه إشارة إلى النهوض من الانكسار، وإلى إمكانية أن تبدأ الشخصية حياتها من جديد مهما كانت قسوة التجربة، وذلك من خلال استعارة المعنى الرمزي المتوارث تاريخياً لـ "الفينيق"، وهو ما تكفّل بإظهاره الغلاف الذي جاء بتصميم الفنان عيد بنات، في إضافة بصرية ترافق العمل وتقدم مدخلًا إلى عالم الرواية.

تحمل الرواية في صفحاتها الأولى إهداءً لافتًا إلى النساء اللواتي عشن في صمت تحت وطأة القيود الاجتماعية، إذ تهدي الكاتبة كلماتها إلى "كل اللواتي وُئدن في مقبرة تُدعى الزواج، وإلى اللواتي غرقن في صمتهن كي لا يتمردن على مجتمعاتهن"، مؤكدة أن كلماتها ستكون صوتًا لهن. ويأتي هذا الإهداء مدخلًا دالًا إلى الثيمة الإنسانية والاجتماعية التي تتحرك الرواية في فضائها.

وتبدأ الرواية، التي تتوزع أحداثها على مدى 324 صفحة، من لحظةٍ تبدو عادية في ظاهرها، لكنها تحمل بالنسبة إلى البطلة "أمل" معنى أكبر؛ ففي يوم تخرجها من المرحلة الثانوية، تقف الفتاة أمام المرآة وتضع مساحيق التجميل للمرة الأولى في حياتها، في بيتٍ تحكمه عبارات من قبيل "هذا عيب" و"لا يليق بنا" و"ماذا سيقول الناس؟". وبينما كانت هي تستعد للاحتفال، تتكشف تدريجيًا طبيعة العلاقة المتوترة بينها وبين والدها، الذي يمثل سلطة البيت وحدوده الصارمة.
نقرأ على لسان البطلة "أمل" في مفتَتح الرواية: "وأخيرًا سنحت لي الفرصة لأُخفي شاماتي"، قبل أن تنقل الكاتبةُ القارئَ إلى تفاصيل صباح "أمل" وعلاقتها بشقيقتها الصغيرة، التي تمازحها بشأن الشامات والشعر الأبيض، في مشهد عائلي يحمل قدرًا من الخفة قبل أن تتقدم الأحداث نحو مساحات تشهد توترًا يتزايد بالتدريج. وتظهر منذ البداية ثنائية واضحة بين ما تريده "أمل" لنفسها وما يفرضه عليها البيت، وهي ثنائية ستصبح محركًا أساسيًّا في تجربتها.

وتتخذ الكتابة موقعًا محوريًا في شخصية البطلة؛ فهي لا تراها مجرد هواية، بل مساحة تستطيع من خلالها التعبير عن أشياء لا تجد سبيلًا إلى قولها داخل بيتها. ويظهر ذلك عندما تكشف معلمتها عن موهبتها الكتابية، بعد أن قرأت نصًا لها عن طفل يتيم، فتدفعها إلى مواصلة الكتابة. كما تفوز "أمل" بالمركز الأول في مسابقة "الكاتب المبدع"، وهو إنجاز يتحول داخل الأسرة إلى سببٍ جديد للصدام، بعدما يرفض والدها فكرة الكتابة ويعتبرها خروجًا عن الطريق الذي رسمه لها.
وفي المقابل، تقدم الرواية شخصية الأم بوصفها امرأة تحمل أحلامًا قديمة لم تستطع تحقيقها، وتحاول حماية ابنتها داخل بيت يخشاه الجميع. وبين البنت وأمها تتشكل علاقة تقوم على الحب والخوف والأسرار المؤجلة، فيما تمثل الصداقة الجديدة مع "نور"، التي تلتقي بها "أمل" في الجامعة، بداية لمرحلة مختلفة من حياتها.

وتجمع "كوني كالفينيق" بين البعد الاجتماعي والبعد الإنساني، عبر شخصية تحاول أن تتعلم كيف تختار طريقها بنفسها، وأن توازن بين واقع فُرض عليها وأحلام لا تريد التخلي عنها. وكما جاء على الغلاف الأخير: "بينَ الكتابةِ والدراسةِ ومواجهةِ الخوفِ، تكتشفُ أملُ قوّتَها، وتُدركُ أنَّ النهوضَ من الرمادِ يبدأُ حينَ يختارُ الإنسانُ نفسَهُ، ويتمسّكُ بحقِّهِ في الحُلمِ والحياة".


أي رسالة أو تعليق؟

مراقبة استباقية

هذا المنتدى مراقب استباقياً: لن تظهر مشاركتك إلا بعد التصديق عليها من قبل أحد المدراء او المديرات.

من أنت؟
مشاركتك

لإنشاء فقرات يكفي ترك سطور فارغة.

الأعلى