أرسم البحر كما رواه الحلم
البحر ليس ماء.
فكرة نسيتها الغيوم فوق كتف الضوء،
ثم هبطت هيئةَ زرقة تحث الخطى على الاتساع.
أقترب منه
فأبتعد عن اليابسة التي تسكنني،
التراب صورة عابرة،
والأقدام اختراع مؤقت كي لا نطير دفعة واحدة.
الحلم وحده يعرف الاسم الحقيقي.
نحن نناديه موجاً،
ونغفل أنه الكائن الذي يغير ملامحه حين يُحدِّق فيه أحد.
في الليلة الأولى،
رأيته يخلع صوته ويعلقه على نجمة متعبة،
ثم يمشي عارياً بين مرايا الريح،
لا يبحث عن سفينة،
إنما عن طفل نسي ضحكته داخل صدفة.
قال الحلم:
لا تصدق الأزرق...
ظل تركته السماء عند عبورها.
مددت يدي،
فتكسر الماء إلى عصافير،
والعصافير تتعلم السباحة داخل الهواء.
ظننت الأمواجَ مولودةً من الريح،
غير أن الحلم همس:
هي تنهيدة الأرض حين تتذكر أنها نجمة قبل ثقل الجاذبية.
لهذا كل موجة تسافر نحو الشاطئ،
لا لتصل،
كي تتذكر.
في الحلم،
البحر يكتب نفسه بأصابع من ملح.
ينتهي من جملة، فيبتلعها،
كي لا يسرقها الزمن.
الرمل دفتره الوحيد،
والريح ناشر مرتبك.
رأيت الأسماك تعلق زعانفها على أشعة الضوء،
ثم ترتدي أجساداً من زجاج،
كي ترى الماء من الخارج.
ورأيت المرجان يصلي دون انحناء،
فالأعماق لا تؤمن بالجهات.
حتى القمر ليس قمراً.
سمكة بيضاء علقت في شبكة الليل،
فأضاءت العالم لتعثر على طريق العودة.
قلت للحلم:
كيف يتسع البحر إلى هذا الحد؟
ابتسم.
فتح نافذة داخل خيالي،
وقال: مجرد انعكاس.
البحر الحقيقي يسكن الذين لم يصلوا بعد.
المرئي ظله عند مروره فوق أعين العابرين.
منذ ذلك الوقت،
أرى الأفق جرحاً يتظاهر بالاستقامة.
وأسمع هدير الموج لغة قديمة
تحاول استعادة أول كلمة قالتها المياه للصخر.
في الحلم،
السفن تنمو على الأشجار.
والبحارة يقطفون الجهات ثماراً ناضجة.
البوصلة قلب صغير يَعُدّ ارتباكه بإبرة من شوق.
والجزر تنتقل ليلاً كي لا يعثر عليها الطغاة.
حتى المنارات لا تهدي السفن،
تهدي الظلام إلى اسمه.
رأيت البحر يجلس أمام مرآة من ضباب.
يمشط أمواجه بمشط من برق،
ثم يرش على كتفيه عطر العواصف.
يشيخ موج،
فتنجب الريح موجة أصغر تجيد الركض فوق الفراغ.
الغرق ليس سقوطاً في الماء،
بل ارتفاع إلى عمق لا تبلغه الأجنحة.
قال الحلم:
لا تقل: البحر صامت.
إنه يتكلم ببطء يناسب عمر الصخور.
ولا تقل: غاضب.
إنه فقط يعيد فوضى القمر على طريقته.
ولا تقل: بعيد.
البعيد قلبك حين يغلق نوافذه.
وفي آخر الليل،
رأيته يطوي زرقته كما يطوي ناسك عباءته.
جلس على حافة الفجر،
يراقب الشمس وهي تتعلم الطفو.
الضوء يتقاطر من أصابعها مثل عسل شَفِيف،
والأمواج تجمعه في جرار من رغوة،
لتوزعه مساء على عيون العاشقين.
أما أنا،
فأمشي داخل الحلم دون ظل.
أرفع رأسي، فيكبر البحر.
أغمض عيني، فيصغر حتى يستحيل قطرة من حنين.
استيقظت،
لا ماء على النافذة،
ولا ملح على يدي.
وجدت لغة مبتلة بالغياب،
وقلباً حين ينطق "بحر" تتفتح داخله سواحل لا تنتهي.
ومنذ ذلك الصباح،
أرسمه كما رواه الحلم:
مدينةً من سيولة،
تتنفسها النجوم،
تسكنها الأسئلة،
ويُؤَذِّن فيها الغرق للنجاة،
بحراً يحاول العالم وضعه على خريطة،
فيغادرها مثل قصيدة لا تعترف إلا بالاتساع.
