رجل الكرمات
كان حضوره متواضعًا، لا يعرفه الناس جيدًا في المدينة، لكنه يترك فجوة صغيرة في الهواء، ضبابية، كأنها سؤال لا يجرؤ أحد على صياغته. يمشي كعابر، كحلم يمر بين الأزقّة، لكنه في الحقيقة يزيح طبقات من (…)
كان حضوره متواضعًا، لا يعرفه الناس جيدًا في المدينة، لكنه يترك فجوة صغيرة في الهواء، ضبابية، كأنها سؤال لا يجرؤ أحد على صياغته. يمشي كعابر، كحلم يمر بين الأزقّة، لكنه في الحقيقة يزيح طبقات من (…)
في المساء الذي يهبط سريعًا على المدينة، يصعد ضوء المصابيح إلى الواجهات مثل محاولة بائسة لطرد الظلام الدامس. الشوارع شبه هادئة، والهواء ثابت إلا من رجفة خفيفة تشبه ترددًا في قلب بشري. هذا هو الجو (…)
على رصيفٍ ضيّقٍ لا يحتمل ازدحامًا، تنبعث رائحة حمصٍ مسلوق كأنها نداءٌ خفيّ لا يسمعه إلا الجياع والمتعبون. عند تلك العربة الخشبية الصغيرة يقف رجلٌ يُشعل نهاره ببطء، يفتح غطاء القدر ليترك للبخار (…)
لا شيء يكتملُ إلّا حين نلمسَه، كأنّ الفراغ جزءٌ من يدنا، والحنينُ نافذةٌ تُفتح وحدها حين ينسى الليلُ إغلاقَ الستائر. أخطو؛ لا جهةٌ تعرفني، ولا أثرٌ يجرؤ أن يبقى بعدي، فالخطواتُ تُفضِّلُ أن تنسى (…)
في مساءٍ يشبه انكسارَ المرايا على صفحةِ ماءٍ راكد، خرج أبو سلمان من عزلته اليومية، كأنّ قدميه تُساقان إلى شيءٍ لم يتّضح بعد. كان الضوء يتسرّب من بين النوافذ الضيّقة مثل غبارٍ ذهبيّ، فيما كانت (…)
كان المساء ينسحب ببطء بين جدران الغرفة، كما لو أنه يجرّ خلفه ذيولًا من وقتٍ متردّد، ويلقي ظلاله الطويلة على الكتب والأوراق المبعثرة، بينما كان صوت ساعة الحائط يتردّد كنبضٍ خافت في قلب المكان. جلست (…)
في صباحٍ رماديٍّ مائلٍ إلى الزرقة، توقّف عند المقعد المهجور في حديقةٍ لم تطأها قدماه من قبل. لم يكن يبحث عن راحةٍ، بل عن شيءٍ يُنصت إليه وسط ضجيج الأيام. جلس، أحسّ أن الخشب القديم يتنفّس تحته (…)
تُعد قصيدة النثر فضاءً شعرياً خصباً لتجريب اللغة وتحريرها من قيود الوزن والقافية والمجاز التقليدي، فهي ليست مجرد “شعر بلا وزن”، بل إعادة اختراع للغة نفسها، وتجريب لمستويات جديدة من التعبير (…)
عاد بين صمت يلتف حوله كوشاح من غبار، كأن الزمن نفسه تجمّد عند حدود أقدامه. لا هوية معه سوى صدى خطواته، ولا تاريخ إلا الأشكال التي تشق الظل في الأزقّة. الأرض تحت رجليه لا تثق به؛ تتلوى بين الواقع (…)
مدخل كلُّ مدينةٍ أثرٌ يتذكّر مَن مرّ بها، وكلُّ هواءٍ يحاول أن يستعيد شكله الأوّل. نعبر المدن كما نعبر أحلامنا المؤجَّلة، فنكتشف أن الطرق لا تقود إلى أماكن، بل إلى طبقاتٍ من الوعي. المدينة (…)