نربي إنسانًا أم نصنع متفوقًا؟
في بعض البيوت، يبدأ الامتحان قبل أن يفتح الطفل كتابه.
تبدأ الأسئلة مبكرًا:
كم حصلت؟
من سبقك؟
من كان الأول؟
لماذا لم تكن مثله؟
وكأن الطفولة ميدان سباق، وكأن كل مقعد في المقدمة لا بد أن يُنتزع من طفل آخر.
نكبر أبناءنا أحيانًا على الخوف من أن يكونوا عاديين، حتى يصبح الطفل الذي لم يحتل المركز الأول وكأنه ارتكب خطأً في حق عائلته.
نفرح بالدرجات، وهذا طبيعي، ونحتفي بالتفوق، وهذا جميل، لكننا في غمرة التصفيق قد ننسى صاحب الشهادة نفسها.
ننسى الإنسان.
فالطفل ليس مجموعًا حسابيًا لدرجاته، ولا اسمه رقمًا في كشف النتائج، ولا قيمته مقعدًا جامعيًا لامعًا.
إنه قلب يتشكل أمام أعيننا، وعقل يبحث عن طريقه، وروح صغيرة تتعلم كل يوم كيف تقف في هذا العالم دون أن تؤذي نفسها أو الآخرين.
قد نعلّمه كيف يحل المسألة، لكن هل علمناه كيف يحل خلافًا؟
قد نعلّمه كيف يحفظ الإجابة، لكن هل تركنا له مساحة ليتعلم كيف يسأل؟
قد نطالبه بأن يكون الأول، فهل علمناه أن يكون رحيمًا حين يسبقه الآخرون؟
وهنا تكمن المسافة الخفية بين التعليم والتربية.
التعليم يمنح الإنسان أدوات المعرفة، أما التربية فتعلمه ماذا يفعل بهذه المعرفة.
قد يحمل إنسان أعلى الشهادات، لكنه لا يعرف كيف يمد يده لمن تعثر.
وقد تتزين سيرته العلمية بالإنجازات، بينما تخلو سيرته الإنسانية من أثر طيب.
وقد يكون آخر أقل حظًا في الدرجات، لكنه أكثر قدرة على احتواء وجع إنسان، أو مساعدة ضعيف، أو الاعتذار حين يخطئ.
فأيّهما أكثر نجاحًا؟
ربما أخطأنا حين جعلنا النجاح سلمًا لا يسع إلا صعودًا واحدًا.
أخطأنا حين جعلنا الطفل ينظر إلى زميله بوصفه منافسًا دائمًا، بدلًا من أن يراه رفيقًا في الطريق.
وأخطأنا أكثر حين جعلنا الفشل كلمة مخيفة، مع أن كثيرًا من الأشياء الجميلة في الحياة وُلدت من محاولات لم تنجح من المرة الأولى.
فالطفل الذي يسقط في امتحان لا يحتاج دائمًا إلى محاضرة.
أحيانًا يحتاج إلى يد تقول له:
انهض… ما زال الطريق طويلًا.
والطفل الذي يخفق لا يحتاج إلى أن نكسر مرآته أمامه، بل إلى أن نساعده على رؤية ما يستطيع أن يكونه، لا أن نذكّره طوال الوقت بما لم يستطع أن يكونه.
إن أخطر ما يمكن أن تفعله التربية أن تجعل الإنسان يربط قيمته برضا الآخرين.
عندها يكبر وهو يركض خلف التصفيق، ويخاف من الخطأ، ويخشى أن يقول: «لا أعرف»، مع أن الاعتراف بعدم المعرفة قد يكون أول أبواب المعرفة.
نحن نحتاج إلى مدرسة لا تخاف من السؤال.
وإلى معلم يرى خلف الدرجات وجوهًا مختلفة، وطاقات مختلفة، وأحلامًا مختلفة.
وإلى أسرة تفهم أن أبناءها ليسوا مشاريع لإثبات نجاحها أمام الآخرين.
فليس مطلوبًا من كل طفل أن يكون طبيبًا، ولا مهندسًا، ولا صاحب المركز الأول.
المطلوب أن يجد الإنسان مكانه الذي يستطيع فيه أن يعطي.
أن يعرف قدرته، ويحترم اختلافه، ويعمل على تطوير نفسه، دون أن يقضي عمره وهو يحاول أن يصبح نسخة من شخص آخر.
ولعل أجمل ما يمكن أن نقدمه لأبنائنا ألا نسرق منهم حقهم في أن يكونوا أنفسهم.
أن نترك لهم نافذة للخيال، وفسحة للخطأ، ومساحة للحوار، ووقتًا للعب، وحقًا في أن يتعلموا الحياة خارج صفحات الكتب.
فالحياة نفسها امتحان طويل، ولا تأتي أسئلتها في ورقة مرتبة، ولا تمنحنا دائمًا وقتًا إضافيًا.
هناك امتحان المرض، وامتحان الفقد، وامتحان الاختلاف، وامتحان الخذلان، وامتحان النجاح نفسه.
وفي هذه الامتحانات، لن تسألنا الحياة عن ترتيبنا في الصف.
ستسألنا شيئًا آخر:
ماذا صنع العلم في أخلاقنا؟
هل جعلنا أكثر تواضعًا أم أكثر غرورًا؟
هل جعلنا أكثر قدرة على الفهم أم أسرع في الحكم؟
هل جعلنا نرى الإنسان قبل مهنته، والضعيف قبل ضعفه، والمختلف قبل اختلافه؟
إذا لم يفعل، فربما ما زال في درس التربية فصل لم نفتحه بعد.
لذلك، قبل أن نسأل أبناءنا: «كم حصلت؟»، ربما علينا أن نسألهم أحيانًا:
ماذا تعلمت؟
ليس من الكتاب فقط…
بل من الحياة.
ومن صديقك.
ومن خطئك.
ومن خسارتك.
ومن الإنسان الذي اختلف معك ولم تكرهه.
فالتفوق الحقيقي ليس أن تكون فوق الآخرين، وإنما أن ترتفع دون أن تدوس أحدًا في الطريق.
أن تحمل علمًا لا يثقل قلبك، ونجاحًا لا يعمي بصيرتك، وشهادةً تفتح لك بابًا، لا تغلق خلفك أبواب الرحمة.
وحين يكبر أبناؤنا، ويغادرون مقاعد الدراسة، وتسقط عن أكتافهم الحقائب، لن يبقى معهم جدول الدرجات.
سيبقى ما زرعناه في أرواحهم.
وهنا، فقط، يظهر السؤال الذي يستحق أن نراجعه كل صباح:
هل كنا نربي إنسانًا… أم كنا نصنع متفوقًا؟
فالمتفوق قد يصنع له النجاح مكانًا بين الناس.
أما الإنسان…
فيصنع لنجاحه معنى.
