مصر التي تُخبِّئ الشمس في جعبتها
ليست مصر بلدًا نصل إليه؛ بل حكايةٌ نصل إليها كلما ظننا أننا عرفناها.
هنا، لا يمضي الزمن كما يمضي في سائر الأماكن؛ يترك خطواته على جدران المعابد، ويغسل وجهه كل صباح بماء النيل، ثم يمضي تاركًا خلفه حكايةً جديدة.
ذلك الوطن الذي يُخبِّئ الشمس في جعبته، لا يحتاج إلى أن يرفع صوته كي يُسمَع؛ يكفي أن يمر النهر في قلبه، فتستيقظ في الذاكرة آلاف الصور.
هنا، للحجر ذاكرة، وللنخلة ظلٌّ يعرف العابرين، وللبيوت رائحةٌ لا تُشترى.
وحين يضيق الطريق، تجد امرأةً تضع فوق مائدتها القليل، وتمنحك منه الكثير؛ كأن الكرم عند المصريين لم يكن يومًا حسابًا للأشياء، بل عادةً تسكن القلب.
وليست الأهرامات وحدها ما يختصر الحكاية، ولا المتاحف والآثار والكتب التي تحفظ أسماء الملوك. فهناك أيضًا ذلك الرجل الذي يفتح باب دكانه لجاره، وتلك الأم التي تخبئ قطعةً من الخبز لابنها، والطفل الذي يركض في الحارة وكأن العالم كله ملعبه.
هي صوت البائع في الصباح، وضحكة الجيران، ورائحة الخبز، ودعاء أمٍّ يرافق أبناءها إلى آخر الطريق.
وفي كل مدينة وجهٌ آخر للحكاية؛ في القاهرة زحامٌ يحمل في داخله ملايين الأحلام، وفي الإسكندرية بحرٌ يعرف أسرار الذين جلسوا طويلًا أمام موجه، وفي الصعيد نخلةٌ شامخة كأنها تحفظ وصية الأجداد، وفي الدلتا أرضٌ تعرف كيف تُخرج من الطين حياة.
ولعل أجمل ما في هذا الوطن أنه لا يعطيك نفسه دفعةً واحدة؛ يترك لك شيئًا منه في الطريق، وشيئًا عند النيل، وشيئًا في صوت أمك، وشيئًا في أول بيتٍ عرفت فيه معنى الأمان.
قد تتعب، وقد يثقل على كتفيها الطريق، لكنها تعرف كيف تُخفي تعبها خلف ابتسامة، وكيف تزرع في الغد نافذةً حين تضيق النوافذ.
ولا تقول لك: انظروا إليّ.
بل تترك التاريخ يتحدث عنها.
كلما ظن العالم أن الحكاية انتهت، أخرجت من جعبتها شمسًا جديدة، ومسحت عن وجهها غبار الطريق، ومضت.
لأن بعض الأوطان لا تسكن الخرائط فقط؛
بعضها يسكن القلب، فإذا غاب عن العين بقي حاضرًا في الروح.
وتلك هي الحكاية…
بلدٌ خبّأت الشمس في جعبتها،
وتركت للنيل مهمة أن يحكي للعابرين
أن الحكايات العظيمة لا تموت.
