النوم في الخريف
وطنٌ مؤجّل… وعودةُ المستحيل
في الخريف، لا تسقط أوراق الأشجار وحدها؛ تسقط معها بعض الأمنيات الصغيرة التي كنا نؤجلها إلى إشعار آخر… وعلى رأسها أمنية تبدو بسيطة جدًا، لكنها في هذا الزمن تحتاج إلى مفاوضات دولية: أن ننام!
تدخل إلى غرفتك، تسحب الغطاء، تضع رأسك على الوسادة، وتقول بثقة:
«الليلة سأخلد إلى النوم مبكرًا».
وهنا تحديدًا يستيقظ العقل!
طوال اليوم يكون العقل مشغولًا بكل شيء، إلا التفكير. أما عندما تضع رأسك على الوسادة، فيقرر فجأة أن الوقت مناسب لمراجعة الحياة منذ أيام الطفولة.
تتذكر موقفًا حدث منذ عشرين عامًا.
لماذا تذكرته الآن؟
لا أحد يعرف.
ثم يبدأ الحوار الداخلي:
«كان المفروض أرد عليه كذا».
«لا، كان الأفضل أقول كذا».
«طب لو حصل الموقف تاني؟»
وهكذا تتحول الوسادة إلى مكتب محاماة، والعقل إلى هيئة استئناف، والقضية لم تُغلق منذ سنوات!
أما الهاتف، فهو شريك أساسي في جريمة حرماننا من النوم.
تضعه بعيدًا وتقول:
«لن ألمسه».
وبعد ثلاث دقائق تمد يدك إليه، وكأنك لم تره منذ الهجرة النبوية.
تفتح رسالة، ثم خبرًا، ثم فيديو، ثم تجد نفسك تعرف ماذا تناول شخص لا تعرفه على العشاء!
تنظر إلى الساعة:
الثانية صباحًا.
تقول:
«آخر مرة».
والـ«آخر مرة» هذه لا تنتهي إلا عندما يعلن المنبه بدء يوم جديد.
ثم يأتي دور الأحلام.
والحلم في الخريف لا يعرف المستحيل.
أغمضتُ عيني…
وفجأة وجدتني أعمل على تحقيق أعظم إنجاز دبلوماسي في التاريخ!
لقد نجحتُ في عقد الصلح بين إيران وأمريكا، وأصبحتُ أنا الوسيط الناجح الذي عجزت عنه المؤتمرات والموائد المستديرة .
وقّع الطرفان.
تصافح الجميع.
والكاميرات تنقل الحدث.
وأنا أقف في المنتصف بكل ثقة، وكأنني اكتشفت سر السلام العالمي في أثناء غفوة قصيرة!
ثم انتقلتُ من الدبلوماسية إلى الاقتصاد.
رأيتني أركب سيارة فارهة، وأضع فيها كل الأشياء التي أريدها، بلا حساب، ولا آلة حاسبة، ولا سؤال مرعب من نوع:
«هو السعر ده نهائي؟»
ثم مررتُ بشارع السوق.
يا له من سوق!
الأسعار فيه لا تصيب القلب بارتفاع مفاجئ في الضغط!
دخلتُ المحال وأنا أقول:
«أريد هذا… وهذا… وهذا أيضًا».
وأشتري… وأشتري… وأشتري.
لا أبحث عن التخفيض.
ولا أسأل عن البديل الأرخص.
ولا أعيد الشيء إلى مكانه بعد أن أعرف ثمنه!
ثم وجدتُ نفسي أمام قصري.
نعم، قصري!
دخلتُ، فإذا بالكهرباء موجودة، والمياه لم تُقطع!
وقفتُ لحظة أمام هذا المشهد العظيم، وكأنني أمام معجزة من معجزات العصر.
قلت:
«الحمد لله… أخيرًا دخلنا عصر الرفاهية».
ثم رأيت أمامي كل ما تشتهي النفس من الطعام والفاكهة، وشربتُ العصير في هدوء، وجلستُ على الأريكة.
وكانت الأريكة من الحرير.
والستائر من الحرير.
وربما حتى أحلامي كانت ترتدي الحرير!
وضعتُ رأسي إلى الخلف، وقلت لنفسي:
«هكذا يكون النوم في الخريف».
وفي اللحظة التي هممتُ فيها بإكمال الحلم…
سمعتُ صوتًا أعرفه جيدًا:
«اصحي… الساعة رنّت!»
فتحتُ عيني.
نظرتُ حولي.
لا قصر.
لا سيارة فارهة.
لا سوق بلا غلاء.
لا كهرباء مضمونة في الحلم ولا ماء يرقص في الصنابير.
ولا صلح عالمي كنتُ أنا صاحب فضله.
وجدتُ نفسي في سريري، والوسادة تحت رأسي، والمنبه يعلن بداية يوم جديد.
فقلت:
«الحمد لله أنني على الأقل كنتُ وسيطة ناجحة في المنام».
ثم أغلقتُ عيني مرة أخرى…
ليس لأكمل النوم.
بل لأحاول استرداد السيارة الفارهة والقصر والأريكة الحرير قبل أن يستولي عليها حلمٌ آخر!
