معارضة لقصيدة أمير الشعراء
قُم لِلمُعَلِّمِ وَفِّهِ التَبجيلا
كادَ المُعَلِّمُ أَنْ يَموتَ قَتيلا
مَن لِلمُعَلِّمِ وَالزَمانُ مُحارِبٌ
يُسقي عِيالَ الصامِدينَ ذُهولا
عاثَت ذِئابُ السُّحتِ في أَرزاقِهِ
حَتّى غَدا حَقُّ الوفاءِ جَفولا
أَكرِم بِمَن صاغَ النُّبُوَّةَ مَنهَجاً
وَأَقَامَ مِن صَلبِ الحُروفِ دَليلا
هَل في البَرِيَّةِ مَن يُضاهي عالِماً
صَنَعَ الرِّجالَ وَهَذَّبَ المَجهولا
هُوَ وارِثُ الوَحيَينِ في أَفكارِهِ
يَبني مِنَ الطّينِ الذَّكِيِّ عُقولا
يا مُنزِلَ الآياتِ في لَوحِ المَدى
صَيَّرتَ نُطقَ الكائِناتِ فُصولا
فَلَكَ المَحامِدُ إِذ رَفَعتَ مَنارَةً
وَجَعَلتَ لِلفِكرِ العَصِيِّ قُبولا
لَولا هُداكَ لَظَلَّ كُلُّ مُفَكِّرٍ
في تيهِ حَيرَتِهِ يَسيرُ كَليلا
جَلى المُعَلِّمُ لِلنُّفوسِ جَواهِراً
وَنَفى صَدى الأَفهامِ حَتّى قيلا
إِنَّ الحِجارَةَ في يَدَيهِ قَصائِدٌ
وَإِذَا القُلوبُ مَعادِناً وَأُصولا
كُلُّ الشَّرائِعِ أَشرَقَت بِمُعَلِّمٍ
جَعَلَ السَّماءَ لِأَرضِنا قِنديلا
مِن طُورِ سَيناءٍ لِمَهدِ مَسيحِنا
كانَ البَيانُ لِكلِّ حَقٍّ كَيلا
وَبِأَحمَدٍ خُتِمَ الضِّياءُ فَكانَهُ
نَهراً مِنَ الإِعجازِ فاضَ جَزيلا
سادَ الوُجودَ بِلَفظِهِ وَبِعِلمِهِ
وَأَعادَ تَرتيبَ الحَياةِ رَعِيلا
تِلكَ الحَضاراتُ العَظيمَةُ أَورَقَت
لَمّا استَنارَت مِن عُلومٍ قيلا
بِيَدِ المُعَلِّمِ قَد نَقَشنا مَجدَنا
صَرِحاً عَلى هامِ الزَّمانِ طَويلا
واهاً عَلى أُمَمٍ أَضاعَت عِزَّها
وَمَشَت وَراءَ الغارِبينَ فُضولا
نامَ المُعَلِّمُ فَاستَكانَ شَبابُها
وَغَدَت لِأَثوابِ الغَريبِ ذُيولا
دارَ الفَلَكُ وَالعِلمُ مالَ لِغَيرِنا
مُذ لَبِسنا العَجزَ وَالتَّأجيلا
قَد كانَ مَشرِقُنا مَلاذَ مُعَلِّمٍ
فَغَدا لِأَذيالِ الظَّلامِ نَزيلا
ثَكِلَت بِلادٌ لا تُعِزُّ مُثَقَّفاً
وَتُقَدِّمُ المَغرورَ وَالمَخذولا
مُذ هانَ بانِينا استُبيحَ مَصِيرُنا
وَغَدا الأَنينُ بِأَرضِنا مَجبولا
رَحَلَ الكِبارُ الصامِدُونَ كَأَنَّهُم
تيجانُ عِلمٍ لا تَهابُ زُحولا
باعُوا الرَّخاءَ لِيَشتَروا نورَ الهُدى
وَرَأَوا طَريقَ الباقِياتِ سَبيلا
شَرِبُوا المَنونَ لِكَي تَعيشَ مَبادِئٌ
فَغَدا الحِمامُ بِكَفِّهِم مَعسولا
هِيَ شيمَةُ الأَحرارِ في كُلِّ المَدى
أَن يَلثَموا قَهرَ الطُّغاةِ نُصولا
قَهرُ الجَهالَةِ بِالبَصيرَةِ عِزَّةٌ
تَقْتادُ في دَربِ الخُلودِ عُدولا
لِلحَقِّ طَعمٌ مُرُّ لَيسَ يُسيغُهُ
إِلّا الَّذي شَرِبَ اليَقينَ رَحيلا
سَيَبقى فينا في كُلِّ عَصرٍ فارِسٌ
يَأبى عَنِ الدَّربِ السَّوِيِّ نُزولا
يا صانِعي الأَجيالِ يا سُرُجَ الهُدى
يا مَن سَقَيتم غَرسَنا المَأمولا
أَنتُم ضَميرُ الشَّعبِ في إِشراقِهِ
وَرَجاؤُهُ إِن صارَ خَطباً هَولا
الجَهلُ مَوتٌ وَالمَعارِفُ بَعثُنا
فَأَعِد لِشَمسِ المَكرُماتِ مَثيلا
بِالعِلمِ نَبني لِلکَرامَةِ مَوطِناً
وَنَرُدُّ كَيدَ الغادِرينَ فُلولا
