الاثنين ٢٩ حزيران (يونيو) ٢٠٢٦
بقلم حسن عبادي

متنفَّس عبرَ القضبان «183»

بدأت مشواري التواصليّ مع أسرانا الأحرار في شهر حزيران 2019 (مبادرة شخصيّة تطوعيّة، بعيداً عن أيّ أنجزة و/أو مؤسسّة)؛ ودوّنت على صفحتي انطباعاتي الأوليّة بعد كلّ زيارة؛

أصدرت كتاباً بعنوان "يوميّات الزيارة والمزور– متنفّس عبر القضبان" تناول زياراتي لأحرارنا حتى السابع من أكتوبر 2023، ومشروعي التواصليّ مع أسرانا مستمرّ رغم أنف السجن والسجّان الذي منعني في حينه من الزيارات وتم إبطال القرار بعد اللجوء إلى القضاء، ورغم محاولات الشيطنة والحرب الشعواء ضدّ المبادرة؛

يبعد سجن غانوت الصحراوي (ريمون/ نفحة سابقاً) 265 كم عن حيفا، حوالي أربع ساعات، كلّ اتجاه، وسئلت عشرات المرات من ذوي النفوس الرخيصة البائسة: "بسوى المشوار؟ شو جابرك؟" وجوابي لهم هو متعة مشاهدة ابتسامة أسير حرّ تُنسيني كلّ التعب ومشقّة السفر.

التقيت بمحاميين في غرفة زيارة المحامين، تراكضا لمشاهدة وجه أسير العزل القادم للقائي، وحين أنهيا لقاء 6 أسرى، كلّ على حدة، وأنا بانتظار قدوم الأسير الثالث، طلبا منّي ألّا أذكر أسماءهما حين أنشر حول اللقاء!

أسرانا مهمّشون، وباتوا مجرّد أرقام، يتوقون للتواصل مع العالم الخارجي ولو للحظات لقائهم بالمحامي تخرجهم من العزل ليتنسّموا دقائق حريّة؛

أسرانا يفنّدون بشدّة بأنهم لا يريدون زيارات المحامين خوفاً من التنكيل بهم وضربهم حين خروجهم للقاء المحامي أو عودتهم من الزيارة، بل ومستعدّون للضرب في سبيل تلك الحريّة المنقوصة.

عقّب الصديق د. جمال سلسع: "انت تجسد آلام شعبنا المقاوم في سجون الاحتلال بكلمات الآه وحقيقة الوجع وصمت العروبة".

وعقبت أم عبد الله السيد (زوجة الأسير عباس السيد): "ربنا يفرج عنك يا (أبو علي) ويردلك للأهل وللحبيبة غفران ردا جميلا ربي يفرحنا فيكم قريبا بإذن الله... أستاذي الكريم حسن عبادى أتمنى لك مزيدا من القوة والعطاء والنجاح بوركت جهودك الطيبة لك منا كل احترام وتقدير"

وعقّب عبد الرحمن عمرو: "أستاذ حسن... دفعة أخرى من أدائك الرائع... ودفقة أخرى من نبضك الحيّ... ونبضة إضافية ونوعية تبعثها في حياة الكثيرين بهذه الزيارة الرائعة والكلمات الدافئة... لك كل التحية... والمجد والفخر لأسرانا وذويهم... فك الله بالعز قيدهم"

وعقّب الأسير المحرّر الدكتور فاروق عاشور: "أستاذ حسن؛ أنت جبل شامخ، نقي مخلص في رسالتك. أنت خير من حمل همّ الأسرى وعمل على دوام حضورهم في المجتمع، تستحق منا كل تقدير واحترام وعرفان. أما الشيخ جمال فهو كالطود الشامخ والجبل الأشم، واحد من عظماء الوطن ولا نزكيه على الله، ونسأل الله له ولجميع الأسرى والأسيرات عاجل الفرج".
""طالما العود موجود كل شي بعود

غادرت حيفا الخامسة صباح الأحد 25 كانون ثاني 2026 ووجهتي سجن غانوت الصحراوي (ريمون/ نفحة سابقاً) والتقيت حال وصولي بالأسير يحيى محمد نايف حج حمد (مواليد 25.07.1991، رهن الاعتقال منذ 03.10.2015، ضاحية النخيل/ نابلس)، كان طالبًا في كليّة الهندسة في جامعة النجاح وفي القدس المفتوحة قبل اعتقاله ليحكم بالسجن ويُهدم بيته وبيت عائلته (الطابق الثاني والثالث في العمارة، وعملت قوات الاحتلال على إبقاء الطابق الأوّل والرابع ليكونا شاهدين على الجريمة)، حصل على البكالوريوس علوم سياسية وصحافة وإعلام خلف القضبان، وأنهى الماجستير في أساليب تدريس تربية إسلامية واقتصاد إسلامي.

شو مع تشطيب الدار؟

يحيى في غرفة 20 بقسم 15؛ برفقة عمر حرز الله، أبو غسان القطب، أحمد أبو الحيّات، كايد كلبونة وآخرون.
الوضع سيئ جداً جداً، فش تحسينات بتاتاً، تفتيشات كل الوقت والسجانين ملثّمنين، الوضع كرب، بوكسات كل الوقت، وضع إجري بخير والحمد لله، قمعة الجمعة مش طبيعيّة، وِحدِة قمع جديدة، دخلوا مع سلاح وانطخّوا ثلاثة أسرى، الوضع مأساوي وفش أفق.

انفرجت أساريره حين أوصلته سلامات الأهل، وطار فرحاً حين طلبت منه إيصال زميل القسم بخبر حمل زوجته بتوأم من نطفتين محرّرتين. أحلى خبريّة.

أنا بخير، صحتي منيحة، معنوياتي عالية، متفائل جداً أكون بينكم قريباً. قبل رمضان.

أمي الحبيبة: دايماً أنت في قلبي وعلى لساني يا شرقاويّة. بدّك توخذيني لفّة بالسيارة، بس لا تسرعي.

العروس متحيّر من وين أجيبها، مش عارف من وين الترويحة، لكن أكيد بكون اختيار إمي، بس تكون حلوة ومزيونة.

طلب إيصال سلاماته للعائلة فرداً فرداً. ديروا بالكم ع حالكم ورتبوا أمور ترويحتي. إعملوا حسابكم دورة تنصيح بالرغم أنّه وزني نزل 30 كيلو (طالما العود موجود كل شي بعود).

خواتي وإخوتي؛ هاي الأيام الأخيرة بالسجن. جهّزوا لي أواعي الترويحة.

جهّزوا لي أول أكلة برمضان زغاليل. ويوم الترويحة فطوري معجّنات. هذا العيد إن شاء الله معكم. جهزوا المعمول والغريّبة، بتمر وبجوز.

طمنوني؛ بستنّا وينتا بتسلم مفتاح الدار.

حين انتهينا من اللقاء قال: "بدّك تساعدني أصدر الكتب بس أروّح".

"والله صرنا هياكل عظميّة متحرّكة”

بعد لقائي بيحيى أطلّ الأسير حسن عبد الرحمن حسن سلامة (مواليد 09.08.1971، رهن الاعتقال منذ عام 1996) ترافقه كتيبة من السجّانين الملثّمين والمسلّحين، من العزل مباشرة. (قفز محاميان من غرف المحامين المجاورة لمشاهدته، ولو عن بُعد).

بادرت قائلاً: "كيفك حسّون؟" فابتسم قائلاً: "شكلك تواصلت مع غفران! ظلمتها معي، صابرة. ومتحمّلتني. بتضحّي أكثر منّي. عملَتْ عُمرة؟"

أخبرته أنّي تعرّفت عليه من خلال كتاب "المُغيَّبون خلف الشمس" لصديقي د. عقل صلاح، فعقّب قائلاً أنّه تعرّف عليّ من خلال حلقات "أسرى يكتبون" ومقالاتي حول أدب الحريّة وسواليف زملاء الأسر الذين التقيتهم في السنوات الأخيرة ممّا لطّف الجو وأدخلنا للقاء حميميّ شرحه يطول.

حسن في قسم العزل برفقة محمود عطا الله، قصي مرعي، محمد عرمان، أنس جردات، إسلام جرار، أحمد المغربي، مهند شريم ووليد حناتشة.

أوضاعنا في غاية الصعوبة، والصورة عندكم واضحة. والله مش عارف إحنا زيّ أهل الكهف؟ ولّا أهل القبور؟ ما شفنا الشمس من أشهر.

حدّثته عن الحملة العالمية "أنقذوا الأسرى في سجون الاحتلال" التي تنسّقها غفران إعلامياً والتركيز على قانون الإعدام وقانون الطوارئ ليتم إلغاؤهما.

طلب إيصال سلاماته للعائلة ولغفران (زوجتي العزيزة، أتمنى أن تكوني بخير. غفران؛ لا يوجد كلمات أعبّر فيها عن حبّي واشتياقي لك، بل تعجز الكلمات أن تعبّر عن مدى إعجابي وتقديري لك)، فرداً فرداً. أتمنى أن يكون رمضان ونحن عندكم.
الأمل ما زال موجود، وما زلنا ننتظر الفرج بإذن الله.

أعذروني على عدم إمكانيتي التواصل مع العائلة. كان لي زيارة محامية ولم تحضر. لا أدري لماذا؟

حين انتهينا من اللقاء قال: "والله صرنا هياكل عظميّة متحرّكة".

" يا معشر المحامين: ارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء"

بعد لقائي بيحيى وحسن أطلّ الأسير جمال عبد السلام أسعد أبو الهيجاء شامخاً (مواليد 25.11.1959، رهن الأسر الحالي منذ 26.08.2002، من جنين الصمود) ترافقه كتيبة من السجّانين الملثّمين والمسلّحين، من العزل مباشرة، وابتسامة عريضة (بتجَنّن) حين اقترب ولمحني.

بعد التحيّة مباشرة قال: "قبل ما يداهمنا الوقت، سلّم على صاحبك عقل صلاح، أنا طلبت له العروس".

ابتسم حين أوصلته رسالة ابنته بنان من سجن الدامون، ورسالة ابنته ساجدة، وحين حدّثته عن لقائي بأحفاده في حفل إشهار كتابي "زهرات في قلب الجحيم" في جنين وشكرته على باقة الورد التي بعثها مع الأحفاد.

الشيخ جمال في قسم العزل (الآخر) برفقة أحمد سعدات (عِشرة عُمر، سنة ونص بغرفة عزل مع بعض في حينه)، نضال كعكباني، مصعب ماجد التركمان، معمر الشحروري، رزق رجوب، عبد الخالق النتشة، محمد أبو بكر وإبراهيم حامد.

ما تغيّر شي، اقتحامات متكرّرة، 5 اقتحامات بأسبوعين، ضربوا أحد الأسرى وحطّوه بزنزانة السقعة لأسبوعين، طخّوني مطّاطي مع بوكس ع الراس، رغم كل هذا الشي صامدين وصابرين.

ابنتي ساجدة: بعتذر عن الرسائل بسبب الوقت. سلّمي على الجميع كبار صغار.

حفيدتي تقى؛ مبسوط من أخبارك. كوني جدعة زي إمك وزيادة.

حفيدي جمال؛ انت الكبير في البيت ودير بالك على أولاد اعمامك.

عبد الله (زوج ابنته الأسيرة بنان) وبدر (زوج ابنته ساجدة)؛ كلهم اولادكم وشكراً إنكم دايرين بالكم عليهم. ربنا يوفّقكم.
سحر أبوز زينة؛ سلام لك ولأهلك وزوجك، أنتُم تاج راسنا.

استغلال المحامين للأهالي قاتل وخاصّة مع قطع الرواتب.

حين افترقنا قال: "خلّي عنوان اللقاء؛ يا معشر المحامين: ارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء".

لكم أعزائي يحيى وحسن وجمال أحلى التحيّات، على أمل بحريّة قريبة ولقاء يجمعنا في رحاب الوطن السليب.


أي رسالة أو تعليق؟

مراقبة استباقية

هذا المنتدى مراقب استباقياً: لن تظهر مشاركتك إلا بعد التصديق عليها من قبل أحد المدراء او المديرات.

من أنت؟
مشاركتك

لإنشاء فقرات يكفي ترك سطور فارغة.

الأعلى