الاثنين ١١ أيار (مايو) ٢٠٢٦
بقلم غدير حميدان الزبون

ما تبقّى من طفلة تلاحق الفراشات

أمسكُ قلمي هذا المساء على غير العادة، أكتبُ، وأحذفُ، ثمّ يصمت قلمي محدّقًا بكلّ ما حولي بهدوءٍ مخيف أعرفه جيّدا.
إنّه الفقد الذي يتسلل إلى الأشياء الجميلة، يغزو لون السماء، ويتغلغل في رائحة التراب بعد الظهيرة، وأخيرا يصل إلى الطريق الذي كان يقود طفلةً صغيرة نحو الحقول، وهي تظنّ أنّ الحياة خُلقت لها كي تركض فيها.

في تلك الأيام الخالية كانت الأرض ما تزال تحتفظ بقلبها، وكانت تلك الطفلة الحالمة تركض خلف فراشة صفراء غير مدركة أنها تركض في الحقيقة خلف آخر نسخة بريئة من هذا العالم.

لذلك يصحّ أنْ نقول هناك مواسم لا تعود كما كانت حتى وإنْ عادت الأرض إلى دورتها، لتزهر الأشجار في موعدها.

إنّه شيءٌ ما ينكسر خفيةً بين عامٍ وآخر فنصبح غرباء عن الأماكن التي كانت تحفظ أسماءنا الصغيرة.

كنتُ طفلة تركض خلف النهار في مثل هذا الوقت من العام، وكانت تلك الطفلة تشبه أول الضوء الذي يلامس الحقول النائمة، خفيفة كفراشة، وممتلئة بدهشة لا تنتهي.

تركض بشجاعة لا تلتقطها عدسة مصوّر، حافية الروح قبل القدمين، تلاحق الألوان المتطايرة بين الأعشاب.

نسيت أنْ أخبركم عن بعض تفاصيلها، لقد خُلقت لتجمع الفرح الهارب من العالم.

نعم، أنا لا أمازحكم الآن، فلو التقيتم بها في طفولتها لرأيتم في عينيها اتساعَ سماءٍ ربيعية.

آنذاك كانت ضحكتها تشبه خرير الماء الذي يعبر الصخور بهدوءٍ بريء.

وفي صورة مصغّرة أكثر بإمكانكم أنْ تروا شعرها المبعثر تحت الشمس في تمرّد صريح على قيود الضفيرة، أمّا عن قلبها فكان نقيًا إلى الحدّ الذي يجعلها تبكي لأجل فراشةٍ عَلِقَت بين الأغصان.

كلّ ما تعرفه عن العالم أنه واسع بما يكفي للركض، وجميل بما يكفي لتصدّقه بالكامل.

تحصي الأيام على سيقان جافّة، وتراقب الأرض بشغفها المعهود، وهي تتبدل أمام عينيها ببطءٍ ساحر، فالأخضر يمتزج بالأصفر، والتراب الدافئ يتنفس أولى علامات الصيف القادمة.

تدهشها باكورة الثمار وهي تتفتح بخجلٍ فوق الأغصان، وتمنحها الفراشات اليقين الطفولي المجبول بالمغامرة الجريئة.

تركض بين الحقول بلا خوف، وتقلّد أصوات الطيور، فتتوقف طويلًا عند أعشاشها المعلقة فوق الأشجار متأملة ذلك النظام الإلهي الدقيق الذي يجعل من القشّ وطنًا دافئًا.

لم تكن تعرف يومها أنّ الإنسان قد يكبر إلى الحدّ الذي يفقد فيه قدرته على الإصغاء لصوت العصافير.

ثم يأتي الليل بصفحته الزرقاء الهائلة الممتدة فوق رأسها، والموشّاة بالنجوم.

إنّه عالمها الثاني بلا منافس.

في يومٍ شتويّ قلّبت ألبوم صور قديم فالتقيتُ بصورة لها وهي تستلقي طويلًا محدّقة في السماء، تعدّ النجوم التي لا تُعدّ، وترافق الشهب وهي تهوي كأمنيات محترقة.

حتى الظلّ فوق الأعشاب كان يملك حياةً كاملة بانعكاسه المرتجف تحت ضوء القمر، وكثيرا ما وصفت لي حركة الأشجار العملاقة التي بدت لها آنذاك كغيلانٍ أسطورية تحرس الليل بصمتٍ مهيب يزيد من دقّات قلبها الذي يستوطن صدرها المضطرب.

كان للخوف يومها براءة أيضًا، أما الآن فلا شيء يشبه تلك الأزمنة سوى اتساع السماء حتى وإنْ تغيّر لونها.

كلّ شيء صار قاتمًا على نحوٍ يصعب تفسيره، فالأحداث تتشابك مثل خيوطٍ متداخلة، ومعقدة على نحو يصعب فهمه.

لكنّ تنهيدة واحدة تكفي لتفسير زوال القدرة على الانبهار، فلم يعد العالم بسيطًا بما يكفي لطفلة تركض خلف فراشة، ولا نقيًا بما يسمح لروحها أنْ تنام مطمئنة تحت شجرة.

ومع ذلك لو فتّشتم في قلبها لوجدتم شيئا صغيرا يقاوم، إنّه شيءٌ يشبه تلك الشهب القديمة التي كانت تراقب سقوطها بصمت، وهي تشتعل للحظةٍ قصيرة وسط هذا الفضاء المعتم، ثم تختفي، لكنها تترك أثرًا خافتًا من الضوء يكفي أحيانًا كي لا نغرق تمامًا في السواد.


أي رسالة أو تعليق؟

مراقبة استباقية

هذا المنتدى مراقب استباقياً: لن تظهر مشاركتك إلا بعد التصديق عليها من قبل أحد المدراء او المديرات.

من أنت؟
مشاركتك

لإنشاء فقرات يكفي ترك سطور فارغة.

الأعلى