الاثنين ٢٧ تموز (يوليو) ٢٠٢٦
بقلم حسين القاصد

التواطؤ الثقافي وجائزة «نوفل».

التواطؤ الثقافي وجائزة «نوفل»..في رواية مستر ولا شي لواسيني الأعرج

تبدأ الرواية بـ ميتالسانية التسمية (Metalinguistics) فضلاً عن زئبقية المعنى التي تجعل الصوت جسرا وهمياً لهدف مستحيل، حيث تبدأ وتنطلق من لعبة لسانية صوتية وخطية بحتة يقوم بها الجناس الناقص (Anagram).

نوفل آل فريد = ألفريد نوبل

خارج تسمية الجناس أو التوصيف اللغوي الحاد لنا أن نقول إن هذا التداخل الصوتي حقق المصادفة اللسانية الموجهة للوعي، لأن الحروف هنا ليست محايدة؛ فالتلاعب بالدال (الاسم) أدى إلى تغيير جذري في المدلول (حياة نوفل، تحوله إلى كاتب مهووس بنوبل) فضلاً عن ذلك، فإن اسم الرواية نفسه: مِسْتَر وَلاشي (Mr. Nothing) يدمج بين لغتين (الإنجليزية والعامية الجزائريّة.. ولاشي). هذا المزج اللساني الهجين يعبر عن ضياع الهوية: البطل كائن هجين، يبحث عن العالمية بلغة أجنبية (مستر)، لكن جوهره يظل صفراً على الشمال في نظره ونظر مجتمعه (والاشي).

يدمج العنوان بين علامتين من ثقافتين مختلفتين: (Mr) الغربية الاستعمارية، و(ولاشي) العامية الدالة على الصفرية. بينياً، هذا التركيب اللساني يخدم وظيفة ثقافية: إنه يرمز للمثقف العربي المعاصر الذي يلهث خلف "العلامة الكونية" (نوبل) عبر وسيط استثماري خادع (مؤسسة بيتنا) يُفرغ بطاقته النقدية الحقيقية مقابل منح رصيد وهمي لـ "مستر" لا يملك في واقعه المحلي سوى "اللاشيء". ولعل دلالة عامّية تواضعية تخبرنا بأن ( ولاشي) تعني نوعاً من الإهانة، فالواو للاستغراق بالـ (لا شيء) مثل قولنا: ولا أقل ولا أتفه، لكن الروائي بنسق المجاورة المخاتل الساخر منح الـ لا شيء رتبة الـ المستر، بوصفها سلّما لقلبِ ( فاء) نوفل إلى (الباء).

يبدع واسيني الأعرج حين يمارس اللسانيات الإسقاطية ونسق الذويت الثقافي، فيمنح بطله براعة التأليف، حيث نجد نوفل في عمله (مارلين مونرو في ضيعتنا) يبدع انزياحاً لسانياً ودلالياً خطيراً. لأنه يأخذ علامات لسانية وثقافية راسخة في الوعي العالمي (مارلين مونرو، جون كينيدي، لوس أنجلوس) وينقلها إلى بيئة لسانية وثقافية مغايرة تماماً (حمام ربي"، "بكر)،وبهذا الاستدعاء الثقافي يُحدث صدمة لسانية لدى المتلقي (ولدى لجنة نوبل داخل الرواية)، حيث يعاد صياغة المرجعيات التاريخية الكبرى بواسطة معجم محلي بسيط، مما يثبت أن النص الأدبي قادر على تفكيك المركزيات اللغوية العالمية وإعادة تركيبها.

وإمعانا بنسقي التذويت والاستدعاء، نجد واسيني الأعرج يمزج بين لغة سردية عالية وفخمة مستوحاة من أجواء الجوائز الفاخرة، الإتيكيت، ومؤسسة "بيتنا وبين لغة ساخرة، متهكمة، تقترب من اليومي والمبتذل حديث الشاعر الزبير عن "تربية العجول وتلقيح البقر"، ووصف الجوائز المحلية بـ (قفة رمضان)، ناهيك عن أنسنة الآلة في استخدام معجم تكنولوجي معاصر (البطاقة الذهبية، الدنانير الإلكترونية، المنصات) ودمجه في بنية السرد التقليدي، مما يولد إحساساً بالاغتراب اللساني؛ حيث يصبح الإنسان مقيداً بلغة الأرقام والخوارزميات التي تلتهم مدخراته مقابل (وهمٍ ) مكتوب بالكلمات.

إن الوهم ألذ من الحقيقة وأكثر إغراءً وهو ما جسده واسيني من في صراع امرأتين .. (شميسة ) مصغر شمس والشمس تخدع ، أما (زها) فهي من الزهو الداخلي وهي الشعور الذاتي أو الضمير المقموع الذي ليس له سوى أن يؤرق ثم سرعان ما يخمد حين يصطدم ببصيص ضوء مارق، قادم ومن الوهم، فجاء الروائي بتصغير اسم الشمس ليجعلها شميسة بقصدية تامة ليؤكد الهيمنة الرغبوية للوهم/ الضوء.

نوفل أب لعشر بنات مصابات بالتوحد، الصمم، والرهاب، كإدانة رمزية صارخة. ولكن بالمنظور البيني (السيميائي-الثقافي)، يتحول هذا التشوه الجسدي الجماعي إلى "علامة لسانية مرئية" تعكس واقع الأب لأن نوفل كاتب يعيش في برج عاجي، يطارد كلمات معقمة وأوهاماً عالمية (نوبل). ليأتي جسد بناته كنوع من رجع صدى لخطابه؛ فالصمم والتوحد الذي يعانين منه هو تجسيد مادي لانفصال نوفل نفسه عن واقعه وصممه الحضاري. إنه ينتج نصوصاً معزولة، فكانت النتيجة (أجساداً معزولة) بيولوجيا) : بناتي العشر اللواتي وُلدن مصابات بأمراض وتشوهات ورهاب... توحد، نقص عقلي، صمم. كنت غارقاً في حبري وأوهامي بينما كانت أجسادهن تدفع ثمن انقطاعي عن العالم)، وهكذا نرى الجسد الأنثوي يُختزل بوصفه للمركزية الذكورية المهووسة بالذات، مركزية الأب الذي يبحث عن الخلود عبر جسر الاسم واللقب (آل فريد)، يُعاقب بـأجساد تعجز عن حمل خطابه أو مواصلة إرثه السردي، لتتحول بناته إلى شواهد حية على معنى ( ولاشي) الذي أراده الروائي له.

لعل صراع الهويات يتسبب بمأزق التواطؤ الثقافي، إذ تركز الرواية على أن اللغة هي المأزق وهي الخلاص لأن نوفل آل فريد وقع في سجن عميق ليعيش متأرجحا بين التسميات (اسمه، واسم ابنته، وأسماء جوائزه)، ولكنه عبر المغامرة اللسانية والانزياح السردي (قصة مارلين مونرو) ،استطاع أن يخترق جدار الصمت العالمي. النص ليعلن موت النقاء اللغوي وصعود الهوية الهجينة (الفصحى + العامية + الأمازيغية + لغة العولمة) كواقع حتمي للمثقف المعاصر.

إن اللغة بنت الشعور، وسرعان ما يكتشف الشعور المصطنع ، ولا أعني الشعور المرن الذي يتطور ثقافياً ويواكب اللسان الذي يتلاقح مع العلوم والثقافات، فالبكاء والابتسامة لغتان عالميتان فصحيان وعاميتان في آن واحد، ولا تحتاجان للترجمة، غير أن أي رد فعل لغوي بسبب ألم أو فرح، يختلف من لغة إلى أخرى وقد يظهر باردا جاء بقالب لساني غريب ، وهذا ما يتضح في الاشتباك البيني، حيث النقد الذي توجهه المترجمة المستشرقة "ماريا" لنوفل ليس نقداً لجماليات النص، بل هو كشف لبنية الوعي المغترب للكاتب الذي يعيش في فجوة بين لغة يفكر بها ولغة يشعر بها، فهي تقول له( أنت تكتب بلغة اصطناعية تعلّمتها في المدرسة، لغة الصالونات والجوائز، لكنك عندما تحزن أو تغضب أو تبكي، تعود فوراً إلى لسان أمك وإخوتك). وهو ما أريد قوله لأن التفكير والمشاعر تنساب من أول منفذ لغوي حتى وإن كان صراخاً أو ابتسامة، فكيف بالأداة التواصلية الأم، أو اللهجة.

وهو ما يتضح حين يعاني البطل من انفصام تداولي. وثقافي، ويكمن هذا الانفصام في عقدة نقص تجاه المركز(الغرب)؛ فهو يستعير لغة معقمة (الفصحى الرسمية) لكي ينال اعتراف الصالونات ولجنة نوبل، بينما تُقصى لغته الحية (العامية) التي تحمل شحنته الوجودية الحقيقية، ممّا يجعله مغترباً في لسانه وفي ثقافته معاً،


أي رسالة أو تعليق؟

مراقبة استباقية

هذا المنتدى مراقب استباقياً: لن تظهر مشاركتك إلا بعد التصديق عليها من قبل أحد المدراء او المديرات.

من أنت؟
مشاركتك

لإنشاء فقرات يكفي ترك سطور فارغة.

الأعلى