طيور الِمحْرَقَة... جويلية
سارع إلى حيثُ اصطفَّتِ النّعوش.. وقف مُنْتَظراً لحْظةَ الانطلاق.. سيُشاركُ في الموكب الجنائزي... سيصْحَبُ الأحدَ عشر طيْراً في رحْلتهم الأخيرة. دَاخِلُهُ.. يبْكي.. وَظاهِرُهُ صلبٌ؛ لا يُحرِّكُ جفْناً... تحدّثَ بيْنهُ وبيْن نفْسِه:" جفّتِ المآقي يا طيــــور!". حانتِ اللحظة؛ تقدّم مع المُتَقَدّمين.. حُمِلَ النّعْشُ الأوّل على الأكتاف.. بخطواتٍ بطيئة وقلوبٍ دامية؛ توالى حمْلُ بقية النُّعوش.. وسار الجميع في اتّجاهٍ واحِد؛ حيث ستُؤَدَّى طقوس الوداع الأخير.. لمْ يدرِ كيف استحضر شعراً كان يحفظه.. ردّدهُ بينه وبين نفسه:
خبّرونـي؛ ماذا رأيتُمْ ؟ أطفالا
يتامى؛ أمْ موكباً عُلْويــــــا؟
كزهور الربيع عُــــرْفاً زكـيا
ونجوم الربـــيه؛ نورا سنيا
في تلك الليلة؛ جفاهُ النّْوم.. أحسَّ بِانْقِباضٍ شديد يغْزو صَدْرَه.. فتح النافذة لعلّ هواء الليل يُسْعِفُه.. لمْ يجِدْ ما أراده؛ فعزم على الخروج والدّجى يتنفّسُ حَرَّ النّهار.. مشى طويلاً على ضوء القناديل.. جلس ساعات على الأرصفة... غَيّرَ الأماِكن.. زارَ الساحات المليئة بضجيج السّاهرين الهارِبين من حرارة المنازل إلى هواء الفضاءات؛ رغم إحساسهِمْ بأنّ هذه الأخيرة؛ لمْ تعُدْ كما كانتْ... وكأنّ حُمّــى النّهار أصبحَتْ تتمرّدُ على قانون الليل؛ حين سلبَتْه تلكَ البُرودة المعْهودة لدى الساهرين... مشى "معاذ" ومشى... وفجأة؛ وجد نفسه في طريق المقبرة؛ استشْعَرَ انْجِذاباً شديدا نحو المكان.. قاوم.. التفت إلى الوراء وكأنه يريد العودة.. ثقُلَتْ خُطاهُ، توقّف إلى بعض حين... شهيقٌ ثمّ زَفير؛ تلاهُمَا عزْمٌ على الانْسِياق وراء الانْجذاب..
إغفـاءة على وَقْعِ الزّقْزقات..
تأمّل القبور الصّغيرة واحداً تلو الآخر، جلس بينها وقد انعكس ضوء النجوم على المكان؛ غاص في تأمّلاته... خُيِّلَ إليْهِ؛ أنّ النجومَ كانتْ ترْثِي طيور السّماء...! خُيِّل إليْهِ أنّ التُّرَابَ ضاجٌّ بالزّقْزقة... ضاجّ بالرّفْرفة... وأنّ الأجْنِحَة تغْتسِلُ بِزَخّاتٍ عَجيبة؛ تتناثرُ هنا وهناك.. وضع رأسه على واحدٍ من القبورِ الصَّغيرة؛ وَغَفــــــا... مشى – في غفوته – بين الأشجار والظلال.. تتبّعَ الأصوات.. حطّ في إحْدى العرصات.. بَهَرَهُ نورٌ عَظيمٌ يلُفُّ المُتحَلّقين.. اقترب والشعاعُ يُغالبُه، جلس على ربوة من العُشب البهيج.. فرَكَ عيْنيْهِ، أصَاخ السّْمع؛ وغاب في ثنايا المشهد؛ إلى وقتٍ غيْر معْلوم...
وسط الحلْقَة؛ طائر بأجنحة من نور... تحت الأجنحة؛ ذراعان من عاج؛ يرفعهما تارة نحو السماء؛ ويُنْزلهما تارة أخرى نحو الأرض.. يدور وسط الحلْقة بحركاتٍ لافتة؛ وبريقُ عقيقٍ فوق رأسه الصغير؛ يتناثر من حول البساط الأخضر.. كان يُردّد والشّجن يُذيبُ رِفاقه: "أنا اليتيم.. أنا المكسور.. أنـــا.. لا أحد..! أنا النَّبْتَةُ المُلْغاةُ مِنْ حقل البشر.. أنا الدّمع المُهرق على وسادة مِنْ حجر.. أنا الوجْدانُ المُلْتاعُ كلما حلّ العيدُ المُنْتظر.. أنا السُّـؤالُ العَصيّ.. أنا الجـوابُ العَصيِّ.. أنا.. لا أحد..! لمْ تُداعبْني أمّـي... لا.. ولمْ يُقَبِّلْني أبـــي.. لا.. عفواً لم يَقْبَلْني .. أبـي.. راح واندثر.. أنا المعنى الغريبُ في دياجير السرّ الرّهيب.. أنا الذنبُ؛ الذي لا ذنْبَ له..! أين أمّــي...؟ أين أبـي؟ أين بِشارَةُ مَوْلِدي..؟ أين طفولتـي؟ أيْن مَهْـدي؟ أين ألعابي وأحلامي..؟ أنا.. لا شيء...! لحظة صمت... رفرفة خفيفة... تلاها انسحابٌ هادئ صوب المتحلّقين... توسّط الحلْقة طائرٌ ثانٍ.. و"معاذ"- في غفوته- يُتابعُ المشهد الدامي: أنا اليتيم... أنا ابنُ الحِقْد والضّغينة... أنا مَنْ قسا عليْه إخوته منْ أبيه... أنا اليتيم... أخذوني من مهدي؛ بعد وفاة والدتي بِبِضْعِ ليالٍ، ثمّ رموا بي في الغابة... أنا اليتيم الذي أخذه الحطّابُ في زمهرير الشتاء؛ وسلّمه للمَيْتم بعد أنْ هدّهُ الصُّراخ وكساهُ الاصْفِرَار وعَصَرَهُ ألمُ الحليب المسموم.. أنا اليتيم.. ابنُ تلك اليتيمة؛ التي زوّجوها لِشيْخٍ من الأثرياء... فقهَرَهَا أوْلادُهُ وماتتْ بأعشابٍ سامّة؛ كانوا قد أوْهَمُوها بأنَّ حليبَها سيُصْبِح مِدْراراً؛ إنْ هي داومتْ على تجرُّعِها..! أنا اليتيم.. الذي أغلق والدُهُ ملفَّ وفاة والدته؛ خوفا على سُمْعَة بقية عائلته... أنا اليتيم.. أنا الذي كان يشمُّ رائحة والدته في ذلك الغطاء الذي نسجتْه أنامِلها والذي لَفّوني فيه ليلة رموني وما يزال في خزانة الميْتَم مع ملابس أترابي... أنا اليتيم ألف مرة ومرّة.. حين ظنوني شوكة... فاقتلعَها أولادُ " أبي " مِنْ بُسْتانِهِمْ... أنا اليتيم... أنا المدْفونُ حيِّـاً.. أنا المسلوبُ عُمْراً.. أنا المنْبُوذُ قرَابةً.. أنا اليتيم.. أنا المُعْفى منْ شهادة الحياة.. حتى ترتفع حصيلة الميراث... أنا... أنا... ذلك اليتـــــيم.. آلاف المرّات...!
وتتلاحق الأدوار...
تتقدّمُ واحدة مِنْ إناث الطيور.. تتوسّطُ الحلقة، جناحان بيضاوان؛ يتخلّلُهُما ريشٌ ورْدِيّ، وفوق الرأس الصّغير؛ يتربّعُ تاجٌ من لؤلؤ.. تُحَيّي الجُموع، ينْطلقُ الهمْسُ الخَجول: أنا يتيمة الأمس... أنا يتيمة الغَدِ... يوم موْلدي؛ كسر أبي أوَانِيَ الدّار.. شتمَ أمّي، ضربها، صرختْ.. دخل الجيران.. خرج هو من الدّار..! جفَّ حليبُ النّفساء.. استدعى الجيرانُ خالي.. أخَذنَا إلى كوخِهِ المُنْهَار.. لم يكن أبي يُحِبّ البنات.. أرَادَ ذَكَراً فقط..! طلّق امرأتَهُ الأولى بثلاثِ صبيات.. طلّق الثانية باثنتيْنِ.. أمّي، غافلَتْ أخي، اختارت الهرب إلى مدينة نائية؛ بعد أنْ تركتْ لهُ رسالة قصيرة: " ضَعْ "لُبْنى" في المَيْتم، واحْفظِ السّرّ." سقطتْ دُموع خالي على الحروف... سلّم الوِديعَة.. وانتهتْ حكاية السُّلالَة...!
في غفوته؛ حاول "معاذ" أن يمُدّ يدهُ ليمسح على رأس الصغيرة.. لكنها طارتْ ورجعت إلى مكانها مع المتحلّقين.. تصاعدتِ الزّقْزَقات... تكاثفت الرّفْرفات... لمَعَتِ العُيون وهي تُتابعُ مِشية تلك الحمامة المتقدّمة إلى وسط الحلْقة...وقدْ تدرّجتِ الألوانُ على عنُقها، فاستحالتْ إلى تموُّجاتٍ ساحرة؛ يحْتارُ العَقلُ في كُنْهِها ويذوبُ الوجدانُ في جمالها.. تأمّلَتِ المُتحَلّقين، وبصوت النَّاي الحزِين؛ حَكتْ مِحْنتها: أنا اليتيمة... أنا الجُرْح.. أنا الغُبْن.. أنا السِّلْعَة التي بيعَتْ في سلّة ورديّة.. لزوجيْنِ حُرِما الذُّريّة .. أنا اليتيمة.. أنا "الفائض" الذي أرهق الميزانية...!! لمْ يَعُدْ أبي قادراً على إطعام العائلة.. أمّي تُنْجِبُ التوأم بعْد التّوأم؛ حتى أصبح بيْتنا الصغير؛ روضة أطفالٍ ببطونٍ فارغة.. تخلّص منِّي والديّ؛ وعشتُ قرابة العاميْن مع الزوجيْنِ الكريميْنِ، ثمّ كانتِ الواقعة.. ففي إحدى الليالي؛ سطا على المنزل لصوص؛ فتكوا بالزوجيْن... انتشر الخبر في المدينة، وكنتُ على يقين؛ أنّ والديَّ سمعا بالحدث.. لكنّهُما فضّلا الفُرْجة... فضّلا الصّمت.. لم يُكلّفا نفسيْهِما حتّى التساؤل عن مصيري.. فكل شيء عندهُما قدَر ومكْتوب...! سلّمتْني الجهات المختصّة إلى الميتم؛ بعد أن أعياها البحث عن أقارب الزوْجين... لمْ يشأ أحدٌ منهمْ أن يأخذني لأنّني لستُ منْ دمِهم...!
بكى "معاذ"... بكى حتّى ابتلَّ صدْرُه... نهض منْ غفوته؛ على وقْعِ أقدامٍ تحمل نعوشاً منْ طرازٍ جديد؛ كُتِبَ عليها بخطوط مُفخّمَة:" اليُتْم... يُتْم الأخْلاق.. لا يُتْمُ الأكباد..." غادر المكان وهو يتمثّلُ أشعاراً حفظها في صغره:
ليس اليتيم منِ انتهى أبواهُ
ِمنْ هَمّ الحياة؛ وخلّفاهُ ذليـلا
إنّ اليتيمَ هو الذي تلْقى لهُ
أمّاً؛ تخلّتْ أوْ أباً مشغــــولا!
