الأحد ١٨ تشرين الأول (أكتوبر) ٢٠٢٦
بقلم إنتصار الخشت

صوت الليل

في الغربة، للّيل حكايةٌ لا يرويها النهار، وللصمت أصابع خفيّة تعزف على أوتار الروح، حتى تظنّ أن قلبك نافذةٌ تركها أحدهم مفتوحةً على المجهول.

حين ينام العالم، تستيقظ الحكايات.

تضحك الظلمة في كمّ القمر، ويرقص الليل حافيًا فوق أسطح البيوت، وتغار النجوم من عتمةٍ اختطفت الأضواء، فيختبئ القمر خلف غيمةٍ كطفلٍ أفزعه انكشاف سرّه. تتآمر الظلال في الزوايا، وتتشاجر الريح مع النوافذ، ثم تتصالحان على همسةٍ تتسلّل إلى فراشي، فتسحبني من يدي إلى بلادٍ لا خرائط لها.

هناك، يجتمع صرصور الليل مع حراس العشب، ويعقد مؤتمرًا سريًّا تحت شرفةٍ نسيها الضوء. تتبادل عصافير الأعشاش أحلامها، ويتثاءب الغصن في وجه الريح، بينما تنثر الأشجار أسرارها على الطريق، فلا يلتقطها إلا عابرٌ استعصى عليه النوم.

أصغي.

فإذا بالليل يغمز لي، وإذا بالنجوم تتدافع خلف ستائر السماء، وإذا بالقمر يخلع هيبته الفضية ويجلس إلى جواري، يسألني عن البلاد التي خبّأتها في قلبي، وعن الأبواب التي أغلقتها خلفي، وعن وجوهٍ ما زالت تناديني من جهةٍ لا يصل إليها البريد.

أضحك، فيضحك الليل.

أخاف، فيرتدي القمر عباءة الغيم.

أشتاق، فتتدلّى النجوم من شرفات السماء، كأنها تريد أن تفتّش في عينيّ عن عنوانٍ ضلّ طريقه.

ثم يحدث ما لا يحدث إلا في ممالك السحر؛ تتخاصم المسافات مع الذاكرة، وتنتصر الذاكرة، فيحملني الليل على جناح عصفور، ويطير بي فوق بحارٍ من الحنين. أرى البيوت التي تركتها تلوّح لي بمصابيحها، وأرى الشوارع القديمة تنفض عن كتفيها غبار السنين، وأكاد ألمس ضحكةً أعرفها، وأطرق بابًا لم يعد بيني وبينه سوى رعشة.

لكنّ الغربة، تلك العجوز الماكرة، تشدّني من طرف ثوبي وتهمس:

لم يحن موعد العودة.
فيختلّ ميزان الحكاية.

تتشاجر النجوم مع القمر، ويتّهم الليل الفجر بالخيانة، وتبكي غيمةٌ فوق رأسي، ثم تضحك فجأةً حين يقفز عصفورٌ من عشّه ويوقظ السماء. يتصالح الجميع، كأن شيئًا لم يكن، ويعود الليل إلى رقصته، وتعود روحي إلى ذلك المقعد الصغير بين الراحة والتعب.

يا لهذا الليل!

يأخذني ولا يرحل بي، يردّني ولا يعيدني، يفتح لي أبوابًا من ضوءٍ لا أعرفها، ثم يغلقها برفقٍ كي لا يوقظ الحنين.

وأبقى معلّقةً بين بلدٍ احتضنني، وبلادٍ ما زالت تسكنني؛ أحبّ هنا، وأشتاق هناك، وأمنح المكان قلبي، فيما يخبّئ قلبي غرفةً سريةً للمسافة.

وحين يقترب الفجر، تتثاءب الظلمة، وتخلع النجوم حُليّها، ويهرب القمر من فضوله، ويعود صرصور الليل إلى مملكته الصغيرة.
ويعيدني الليل إلى وسادتي، كأنني كنتُ حلمًا عابرًا في ذاكرته، وكأنّ المسافات لم تكن سوى لعبةٍ أتقنها السحر.

وأظلّ أحدّق في العتمة، وفي عينيّ أثرُ عوالمَ مررتُ بها دون أن تطأها قدماي، وبحرٌ لم يكن هناك، وفي قلبي سرُّ ليلةٍ لا يعرف أحدٌ كيف أخذتني، ولا كيف أعادتني.

وعلى شفتيّ ابتسامةٌ تعرف سرًّا لا تعرفه الشمس.


أي رسالة أو تعليق؟

مراقبة استباقية

هذا المنتدى مراقب استباقياً: لن تظهر مشاركتك إلا بعد التصديق عليها من قبل أحد المدراء او المديرات.

من أنت؟
مشاركتك

لإنشاء فقرات يكفي ترك سطور فارغة.

الأعلى