الخميس ٨ تشرين الأول (أكتوبر) ٢٠٢٦
بقلم صالح مهدي محمد

صمتٌ بوجهٍ آخر

اعتادت المدينة أن تبدأ نهارها بما تراه العيون، وتترك الخفيّ لوقتٍ آخر؛ كأن ما لا يظهر لا يستحق أن يُسأل عنه. وكانت الوجوه تمضي في طرقها مطمئنة إلى أن الأشياء، ما دامت في أماكنها، لا تحتاج إلى تفسير. لكن ذلك الاطمئنان أخذ يتشقق في أماكن لا تلتفت إليها العيون، حتى صار ما يحدث في الهامش يتقدم، ببطء، نحو قلب المدينة.

في أحد تلك الأزقة التي تنتهي قبل أن يبدأ الشارع الكبير، خرج ياسر من بيته متأخرًا عن عادته. أغلق الباب، أعاد المفتاح إلى جيبه، ثم بقي لحظة أمام العتبة كأنه نسي شيئًا. التفت إلى الداخل، فلم ير شيئًا يستدعي العودة. ومع ذلك ظل واقفًا ثواني قليلة، قبل أن يهبط الدرج.

اختار طريقًا لم يسلكه منذ سنوات. لم يكن يعرف لماذا اتجه إليه؛ ربما لأن الطريق المعتاد بدا له في ذلك الصباح ضيقًا أكثر من اللازم. سار بمحاذاة الجدران، وتجاوز الواجهات الزجاجية، ومضى بين الناس دون أن يلتفت إليه أحد. وحين كان أحد المارة يصادفه، كانت النظرة تمر فوقه سريعًا، ثم تذهب إلى شيء آخر.

عند الظهيرة، دخل متجرًا صغيرًا واشترى زجاجة ماء. وضع البائع المال في الصندوق، ثم رفع عينيه إليه للحظة.

– أعرفك؟

ابتسم ياسر.

– ربما.

ظل البائع ينظر إليه كمن يحاول استعادة وجه من مكان بعيد، ثم هز رأسه وعاد إلى حساب النقود.

خرج ياسر دون أن يعرف لماذا بقي السؤال معه حتى نهاية الشارع.

كعادته، تنقّل بين الأماكن، لكن شيئًا في المسافة بينه وبين الأشياء أخذ يتغير. كان يدخل المكان فيبدو حاضرًا، ثم يلتفت أحدهم فلا يجد في ذاكرته ما يثبت أنه رآه قبل دقائق. لم يكن ياسر غائبًا، ولم يكن حاضرًا تمامًا؛ كان وجوده يتراجع كلما حاولت عين أن تستقر عليه.

في المساء، جلس في المقهى القديم قرب النافذة. كان حازم هناك، يقلب ملعقة صغيرة في فنجان لم يشرب منه شيئًا، بينما كانت ليلى تقرأ رسائل وصلت إلى جهازها منذ الصباح. جلس ياسر إلى الطاولة نفسها.

– تأخرت.

رفع حازم رأسه، وبقي ينظر إليه لحظة.

– هل قلت شيئًا؟

– قلت إنني تأخرت.

تدخلت ليلى دون أن ترفع عينيها عن الشاشة:

– منذ متى وأنت هنا؟

نظر ياسر إليهما.

– منذ قليل.

أراد حازم أن يضحك، لكنه لم يفعل. كان في وجه ياسر شيء مألوف، لكنه لم يعرف أين وضع ذلك المألوف في ذاكرته.

في الخارج، بدأ الضوء يضعف. ثم انطفأت المصابيح دفعة واحدة.

توقفت السيارات في منتصف الشارع، وانطفأت اللوحات المضيئة، وغرقت الواجهات في عتمة قصيرة. لم يسمع أحد صوتًا. حتى المقهى، الذي كان قبل لحظة ممتلئًا بأحاديث متقاطعة، بدا كأنه فقد فجأة القدرة على الكلام.

بقي الصمت بضع ثوانٍ، ثم عاد التيار. لم تعد الأشياء كما كانت قبل انقطاعه.

اشتعلت أول شاشة في المقهى. بعدها أضاءت شاشة أخرى في الشارع. ثم توالت الإضاءات من نافذة إلى نافذة، ومن واجهة إلى واجهة، حتى ظهرت العبارة نفسها أمام الجميع، في وقت واحد، دون أن يعرف أحد من أين بدأت:

«إعادة ضبط معيار الحضور.»

تحتها، وبعد لحظات، ظهر سطر آخر:

«المطابقة مطلوبة.»

رفع حازم رأسه عن الشاشة.

– هذا ليس تحديثًا عاديًا.

اقتربت ليلى منه.

– ماذا ترى؟

– شيئًا يريد أن يعرف من نحن قبل أن يسمح لنا بأن نكون هنا.

نظر إلى ياسر.

كان ياسر جالسًا في مكانه، لكنه لم يعد متأكدًا من أن أحدًا يراه بالطريقة نفسها التي يراه بها هو.

مدت ليلى يدها إلى جهازها، وبدأت تتنقل بين الرسائل.

– هناك تعليمات جديدة.

– من أرسلها؟

– لا يوجد اسم.

– والجهة؟

توقفت قليلًا.

– لا توجد جهة.

ثم قرأت:

«مطلوب تأكيد فوري عبر واجهة الحضور.»

في اللحظة التالية ظهرت الرسالة نفسها أمام كل شخص في المقهى. لم يرفع أحد صوته. بدأ الناس يخرجون أجهزتهم، واحدًا بعد آخر، كأنهم تلقوا الأمر منذ زمن وكانوا ينتظرون لحظة تنفيذه.

وقف فضل، الذي كان يجلس إلى الطاولة المجاورة، أمام الجهاز المثبت قرب الباب.

– مجرد إجراء إداري.

وضع إصبعه على الشاشة.

توقفت الإضاءة تحت إصبعه. بقيت الشاشة ساكنة وقتًا أطول مما ينبغي، ثم ظهرت عبارة:

«تداخل غير قابل للعزل.»

ابتعد فضل خطوة.

– ما معنى هذا؟

لم يجبه أحد. ظل يحدق في الشاشة، ثم وضع يده على صدره. لم يكن هناك ألم. كان هناك فقط إحساس غريب بأن شيئًا يعرفه منذ سنوات ابتعد داخله خطوة واحدة، دون أن يختفي.

اقتربت ليلى.

– دعني أجرب.

ضغطت.

«الإشارة لا تستقر ضمن سياق قابل للقراءة.»

اختفت العبارة قبل أن تنتهي من قراءتها.

قالت ليلى:

– كل شيء يُطلب منه الآن أن يبرّر وجوده.

التفت حازم إلى ياسر.

– دورك.

: نهض ياسر ببطء. لم يبدُ خائفًا. سار نحو الجهاز، وفي أثناء سيره خفتت الأصوات من حوله، لا لأن أحدًا طلب الصمت، بل لأن الجميع بدأ يصغي إلى شيء لم يسمعه بعد.

وقف أمام الشاشة.

ظهرت عبارة:

«عرّف موقعك ضمن النظام.»

أجاب ياسر:

– أنا في المكان نفسه الذي كنت فيه دائمًا.

انتظرت الشاشة.

ثوانٍ.

ثم ثوانٍ أخرى.

ظهرت العبارة:

«المرجع غير كافٍ.»

تبعها سطر ثالث:

«إعادة توزيع الإدراك قيد التنفيذ.»

رفع ياسر عينيه عن الشاشة.

– ماذا يعني هذا؟

لم يجب الجهاز.

نظر حازم إليه، ثم نظر إلى ليلى.

– هل ترينه؟

التفتت ليلى إلى ياسر.

– نعم.

تردد حازم.

– هل أنت متأكد؟

وقبل أن تجيبه، تغير وجه ياسر في عينيه. لم يتبدل وجهه فعلًا؛ الذي تبدل كان قدرة حازم على الإمساك بتفاصيله. العينان موجودتان، والفم، والأنف، والشعر، لكن الصورة كلها كانت تنزلق كلما حاول تثبيتها.

– ما اسمك؟

سألها حازم دون أن يبعد عينيه عن ياسر.

صمتت ليلى.

– ياسر.

قالت الاسم بثقة أول الأمر، ثم خفت صوتها في آخره.

نظر ياسر إليها.

– أخيرًا.

لم تفهم ما قصد.

جلس حازم فجأة.

– هل كان معنا أحد قبل قليل؟

حدقت ليلى في الكرسي الذي كان ياسر يجلس عليه. كان الكرسي أمامها، والطاولة أمامها، والكوب أمامها، لكن الاسم لم يعد يربط شيئًا بشيء.

– لا أستطيع التأكد.

بقي ياسر واقفًا.

كان يسمعهم، ويرى ارتباكهم، ويدرك أنهم يفقدونه دون أن يتحرك من مكانه. مد يده نحو حازم.

– أنا هنا.

نظر حازم إلى اليد الممدودة. لم ير فيها شيئًا واضحًا سوى فراغ يحدّ حافة الطاولة.

سحب ياسر يده ببطء.

لم يقل شيئًا آخر.

في الخارج، استمرت المدينة في العمل. السيارات عادت إلى سيرها، المقاهي فتحت أبوابها، والشاشات استأنفت بثها المعتاد. وحده المقهى ظل محتفظًا بذلك الارتباك الذي لا يعرف كيف يتحول إلى خبر.

بعد ساعة، بدأ حازم يسأل الناس عن ياسر.

– هل تعرفون الرجل الذي كان يجلس هنا؟

كانوا ينظرون إلى الكرسي ثم يهزون رؤوسهم.

– أي رجل؟

حاول أن يصفه، لكنه كلما وصل إلى ملامحه شعر بأن الكلمات تنفلت منه.

– طويل... أو ربما متوسط... كان يرتدي...

توقف.

لم يتذكر لون القميص.

لم يتذكر الحذاء.

لم يتذكر شيئًا يمكن أن يمنح الرجل مكانًا في ذاكرة أحد.

أما ليلى، فبقيت أمام جهازها تبحث عن الاسم. كتبت: ياسر. ظهرت صفحة فارغة. أعادت الكتابة. ظهرت رسالة:

«لا توجد مطابقة.»

كتبت الاسم مرة ثالثة.

هذه المرة لم تظهر نتيجة، ولم تظهر رسالة. اختفى الحرف الأخير من الاسم نفسه قبل أن تضغط زر البحث.

أغلقت الجهاز.

كانت تعرف أن شيئًا حدث، لكنها لم تعد تعرف لمن حدث.

في اليوم التالي، لم يتوقف أحد عن العمل.

فتحت المتاجر أبوابها في موعدها، امتلأت الأرصفة بالمارة، وعادت الشاشات إلى نشر الأخبار والإعلانات ومواعيد الطقس. بدا كل شيء طبيعيًا إلى الحد الذي يجعل المرء يشك في ذاكرته إذا حاول أن يقول إن شيئًا لم يكن طبيعيًا.

خرجت ليلى من المقهى قبيل الظهر. عبرت الشارع، ثم توقفت أمام واجهة زجاجية.

رأت انعكاسها.

رأت فضل خلفها.

ورأت المارة يعبرون في صف متصل، وجوهًا تأتي وتذهب، دون أن تترك وراءها أكثر من لحظة عابرة.

ثم ظهر في الزجاج شخص يقف خلفها.

التفتت بسرعة.

لم يكن هناك أحد.

عادت إلى الزجاج.

كان الشخص ما يزال هناك.

لم تستطع رؤية ملامحه. لم يكن صورة واضحة، ولا انعكاسًا مكتملًا؛ مجرد هيئة واقفة في الموضع الذي ينبغي أن يكون فيه شيء، ثم يتراجع كلما حاولت الاقتراب منه.

مدت ليلى يدها إلى الزجاج.

لامست أصابعها السطح البارد.

عندها جاءها الاسم، لا من ذاكرتها، بل من مكان لم تعرف كيف وصلت إليه الكلمة:

– ياسر.

قالتها بصوت خافت.

لم يحدث شيء.

لكنها ابتسمت.

لم تكن ابتسامة تذكّر كامل، بل اعترافًا صغيرًا بأن النسيان لم يكن قد اكتمل.

وفوقها، اشتعلت الشاشة المعلقة على واجهة المبنى. لم تظهر عليها الإعلانات المعتادة. بقيت سوداء لحظة، ثم ظهرت جملة واحدة:

«الحضور لا يُقاس بما يمكن رؤيته.»

قرأت ليلى الجملة مرتين.

وحين رفعت عينيها عن الشاشة، لم يعد الانعكاس خلفها موجودًا.

لكنها هذه المرة لم تلتفت.

واصلت سيرها، وهي تعرف، دون أن تعرف كيف، أن المدينة لم تستطع محو الرجل تمامًا؛ لقد محَت فقط الطريق الذي كان يقود إليه.


أي رسالة أو تعليق؟

مراقبة استباقية

هذا المنتدى مراقب استباقياً: لن تظهر مشاركتك إلا بعد التصديق عليها من قبل أحد المدراء او المديرات.

من أنت؟
مشاركتك

لإنشاء فقرات يكفي ترك سطور فارغة.

الأعلى