الخميس ٢٧ آب (أغسطس) ٢٠٢٦
بقلم أسامة حسين

صبيٌّ وقهوة

مضى عقدٌ من الزمان منذ رحلنا، ولم تعد أعيننا تتقابل، لكن ذاكرتي لا تزال تحتفظ بتلك اللحظات العالقة؛ حين كنت أخرج عصراً متوجهاً إلى متجره، بعد أن توقظني أمي من قيلولة وادعة، لا لشيء إلا لأن سحق القهوة عنده يمنحها عبقاً فريداً. كنت أمضي إليه متثاقل الخطى في قيظ تموز وحزيران.

أتذكر ذلك المتجر جيداً؛ كان استثناءً في كل شيء، عريقاً كعراقة المنزل الذي يحتويه، ذلك البناء الواهن الصامد رغم نوائب الدهر وأحزانه. كان محلاً ضيقاً يضج بأشياء لا تجدها إلا في كنفه: صورٌ غاب أصحابها منذ عقود، وقلادات وأساور فضية ذات طراز صحراوي، تكاد تكون منثورة أكثر من كونها معروضة، وأعشاب وتوابل لا يعلم كنهها إلا الله، ولا يعرف من أين جيء بها، يغلب على ألوانها الطابع الترابي، وتفوح منها روائح غريبة، أقل ما يقال عنها إنها نفاذة.

وإذا التفتَّ إلى أقصى اليمين، تراءت لك عارضة زجاجية ذات رفوف من المادة نفسها، يرقد على كل منها صنفٌ من المعروضات المنزلية؛ ذرة مشوية مصفوفة بعناية، يكسوها بريق ملحي مذهّب، وأكوام من الفول السوداني المشوي، تعلوها كتل الملح الكريستالية، وأخرى من اللوز البني الذي كان سيد الطلبات في الحي بأسره.

وعلى اليسار، تتراص أصناف الحلوى بمختلف نكهاتها وأثمانها، وبين الذرة والفول السوداني، يقبع أصغر كأس نحاسي رأته عيناي، يتخذه العم معياراً للقياس؛ صغرٌ لا يمت لكرمه بصلة، فهو أكرم من أن يتقيد بميزان.

ثمة أيضاً عرق السوس، والخروب الذي يشبه في شكله الفلفل المجفف، بلونه البني القاسي وطعمه الحلو المميّز؛ كلاهما من «الحلوى الطبيعية» التي تعشقها قلوب الصغار. وحتى البلوط كان يجد مكانه بين المعروضات في أيام الشتاء القاسية عند عمي محمد.

لك أن تتخيل صخب الروائح المتعانقة في ذلك المتجر الصغير، المنسي في آخر جادة من حي «الحمري» الشعبي العريق. ولا يكتمل هذا المشهد الضارب في القدم والجو الحنيني إلا بحضور شيخ أو اثنين من شيوخ الحي، يقهقه أحدهما بصوت أجشّ، أو يتنهد الآخر على ماضٍ سحيق بمرارة. وما بين هذا وذاك، لا تتغير إلا الوجوه.

ولو فتحتَ نافذة على ذلك الزمن من طفولتي، لرأيتني أدخل المحل متثاقلاً، أناول العم علبة القهوة، فيزنها بميزان ذي كفتين، مشكوك في دقته، كان محوراً لتهكمات ونكات لا تنتهي. وما إن يكتمل الطحن، حتى يضيف كمية من قهوته المطحونة الخاصة حرصاً على ألا تنقص الكمية الأصلية؛ فعبارة «ويل للمطففين» لم تفارق شفتيه الباسمتين، اللتين تتوسطان لحية بيضاء تخللتها شذرات من الشعر الأسود.

كنت أميز صوته بسهولة وسط صخب المطحنة العجوز الخضراء، التي كانت تطحن البن بإيقاع بطيء، يفجّر كل ما في الحبة من نكهة كامنة، فلا عجب أن قهوة المساء كانت تُحضّر مرتين.

كنت أراه منحنياً تحت خيط من الضوء المتدفق من النافذة الوحيدة، ضوء يبرز عينيه اللوزيتين وسط غبار القهوة المعلّق في الهواء الرطب، والذي يتحرك بانسيابية مع حركة يده الهاوية على المطحنة بقطعة من الصلب، فتبتلع ما تبقى من حبات البن المشوية.

كنت أمسك كل مرة بمقبض الباب الحديدي البارد، الفاصل بيني وبين تلك الفوضى العبقة. تارةً ألهو بالقفز على بلاطات الأرضية ثنائية اللون، البرتقالية والبنية، وتارةً أتأمل معروضات المحل الغجرية التي لم أكن لأتعرف معظمها، أو تجدني منصتاً لأحد المسنين من جماعة العم، يسألني أسئلة سينسى إجاباتها بمجرد رحيلي.

أحياناً ألتقي ابن خالتي هناك، بنفس العينين النعِستين، فنتفق -ونحن ننتظر- على تشكيل فريقنا للعب الكرة. أيام الصيف، كنا نخرج لنلعب تلقائياً بعد صلاة العصر حتى المغرب، وأحياناً إلى العشاء.

وفي هذه الأثناء، تكون المطحنة قد أنهت زعيقها، معلنةً عن قيلولتها بتثاؤب أخير، يشبه الشخير. فتتضح نقاشات الشيوخ العابرة للأجيال، وتتجلى رائحة القهوة أعمق وأعبق، وهي تقترب من القسطاس الخشبي لتُوزن من جديد.

بعد ثوانٍ، كنت أخرج بأقصى سرعة عائداً إلى البيت، أحمل مخروطاً من الفول السوداني، أحس بدفئه واختلاج الملح فيه داخل جيبي الصغير. غالباً ما أفقد كثيراً منه على الطريق. كنت أسرع خوفاً من أن يسبقني الوقت إلى المباراة، فيضيع مكاني وأضطر للانتظار.

من المؤكد أن ذلك المتجر حوى كثيراً من الذكريات الجميلة لآخرين غيري؛ فهو بحق ذاكرة جماعية ومتحف إنساني، والجميل في الأمر أنه لا يزال يقاوم وطأة الزمن؛ بروح تليدة.


أي رسالة أو تعليق؟

مراقبة استباقية

هذا المنتدى مراقب استباقياً: لن تظهر مشاركتك إلا بعد التصديق عليها من قبل أحد المدراء او المديرات.

من أنت؟
مشاركتك

لإنشاء فقرات يكفي ترك سطور فارغة.

الأعلى