رؤية السرد والسارد والكتابة عن المكان
يُعدُّ المكان في البناء السردي الركيزة الجوهرية التي يستند إليها السارد في تشييد عالمه؛ فهو لا يتجلى كخلفية صامتة أو ديكور جامد تُعلَّق عليه الأحداث، بل ينبض كبنية حيوية تتنفس داخل النص، يضبط إيقاع الحركة، ويقترح المسارات، بل ويفرض منطقه الخاص على الشخصيات بكلمات غير ملفوظة. فالسارد، وهو ينسج خيوط رؤيته، لا يختار فضاءه اختيارا محايدا، بل ينحاز إليه بوصفه وعاء للذاكرة، ومجالا لتوتر الصراعات، ومصدرا للمعنى الذي يتكثف أو يتبدد تبعا لطبيعة هذا الفضاء. ومن هنا، يبرز المكان عنصرا فاعلا في توليد الحدث لا تابعا له، إذ إن القرية الضيقة في ضيق آفاقها تخالف المدينة المتشعبة في فوضاها، والبيت القديم المأهول بالأشباح والذكريات يباين تماما العمارة الزجاجية الباردة بملامحها الحديثة، كما أن الشارع المهجور يمنح الشخصية عزلة وجودية لا يوفرها السوق الصاخب بما يطرحه من احتمالات الاحتكاك والضجيج.
ويتجلى أثر المكان بوضوح في قدرته على صياغة المناخ النفسي الذي ينعكس مباشرة على سلوك الشخوص؛ فالمكان المغلق يضغط على الأنفاس ويحصر الصراع في زوايا حادة، بينما يوحي المكان المفتوح بحرية مشرعة أو ضياع مربك وفقا لتوجهات السرد. وقد يتحول المكان إلى حافز يدفع بالحبكة للأمام كما في أدب الرحلات، أو يغدو عائقا جغرافيا أو اجتماعيا يجهض رغبات الشخصيات، وفي مستويات أعمق، يستحيل المكان ذاكرة جمعية تتجاوز الحيز الجغرافي لتصبح طبقات من الزمن المتراكم التي تُستعاد عبر الوصف والتداعي، فيتداخل الماضي والحاضر داخل فضاء واحد، ويتحول السرد حينها إلى محاولة حفرية لفهم ما ترسب في الجدران والأزقة من حكايات منسية.
إن تعامل القاص أو الروائي مع المكان هو الاختبار الحقيقي لوعيه الفني؛ فثمة من يكتفي بالرصد الخارجي المباشر الذي يرسم الملامح السطحية دون نفاذ لدلالاتها، وثمة من يعيد خلق المكان لغويا ليشحنه بالإيحاءات والرموز، فالمكان في الأدب لا يُكتب كما هو في الواقع، بل كما يُدرك ويُحس ويُعاد تخيله، وهنا تبرز أهمية زاوية الرؤية، فهل السارد "عليم" يحيط بالمكان من علٍ وبنظرة شمولية، أم "ذاتي" يقدمه من خلال مصفاة التجربة الشخصية المحدودة؟ وهل يتكشف المكان ككتلة واحدة أم ينسرب تدريجيا مع تطور الأحداث؟ إن هذه الخيارات تبتعد عن كونها مجرد تقنيات شكلية، بل هي جوهر العملية الإبداعية التي تؤثر في تلقي القارئ للنص.
وتنبثق من هذه العلاقة ثنائية "الألفة والاغتراب"؛ فالسارد المنتمي لمكانه يكتبه بحميمية مفرطة، مبرزا تفاصيل دقيقة تكاد تكون خفية عن العين العابرة، بينما يكتبه السارد المغترب بنظرة مشوبة بالحذر أو الدهشة، مركزا على المفارقات والصدمات البصرية، وهذا التباين يفرز اختلافا جوهريا في بنية اللغة، بين لغة مألوفة مطمئنة، وأخرى متوترة تبحث عن موطئ قدم داخل الفضاء السردي. وفي الكتابة الحديثة، تجاوز المكان كونه إطارا ليصبح بنية عضوية تتشابك مع الزمن والشخصية، فقد يتشظى المكان أو يتبدل بمنطق سريالي ليعكس التفكك النفسي للشخصية، أو يُختزل إلى رمز مكثف يترك للقارئ عبء التأويل، ليتحول المكان في نهاية المطاف إلى نص مواز يحتاج إلى فك شفراته. إن السرد في جوهره هو فن توزيع "الحضور"، والمكان في هذا التوزيع يفتقر للحيادية، بل هو من يرجح الكفة، يمنح الشخصية مركزها أو ينفيها إلى الهامش، محولا الجغرافيا الصماء إلى دلالة إنسانية عميقة، والحيّز المكاني إلى تجربة وجودية تشارك في كتابة القصة بقدر ما تُكتب بداخلها.
