الأحد ١ تشرين الثاني (نوفمبر) ٢٠٢٦
بقلم هانم داوود

ذاكرة على أشرطة سينمائية

لماذا يحتاج أرشيفنا الفني إلى مشروع قومي للإنقاذ؟

لم تكن السينما المصرية عبر تاريخها الطويل مجرد وسيلة للترفيه أو ملء أوقات الفراغ، بل كانت وما زالت السجل الحي الذي وثّق وجدان الأمة، وملامح حاراتها، وحكايات ناسها، وتطور لغتها وهويتها البصرية. إن مشاهدة فيلم كلاسيكي أُنتج في أربعينيات أو خمسينيات أو حتى سبعينيات القرن الماضي،

لا تعني فقط استدعاء للحظة دافئة، بل هي قراءة عميقة في التاريخ الاجتماعي والسياسي والثقافي لمصر. لقد نجحت الشاشة الكبيرة، في أزهى عصورها، أن تكون مرآة للمجتمع، لا تقف عند حدود رصد الواقع، بل تغوص في مشكلاته، وتقرع أجراس الإنذار مبكراً تجاه أزمات هيكلية يعاني منها المواطن في حياته اليومية.

غير أن هذا الكنز القومي الوافر، الذي شكّل لقرابة قرن كامل الجزء الأكبر من قوتنا الناعمة في المنطقة العربية بأسرها، يواجه اليوم خطراً صامتاً.

فعلى الرغم من القيمة الاستثنائية التي تمثلها هذه الأعمال، فإننا نجد أنفسنا أمام أشرطة قديمة ومعرضة للتلف والرطوبة في مخازن مهجورة، وأصول سينمائية تشتت ملكيتها أو أُهملت صيانتها وترميمها رقمياً.

إننا أمام تساؤل أخلاقي وثقافي شديد الأهمية: كيف نترك ذاكرة وطن بحجم مصر، بما حملته من وعي ومعرفة، رهينة لتقلبات الزمن أو لمبادرات فردية متفرقة ومحدودة الإمكانات؟

إن حماية التراث السينمائي والأرشيف الفني المصري لم تعد ترفاً أكاديمياً أو مجرد رفاهية ثقافية، بل هي ضرورة أمن قومي بمعناها الثقافي والحضاري الشامل.

فالأمم الحية هي التي تقرأ تاريخها وتصون مصادره، ولكي ندرك قيمة هذا التراث، يكفي أن نتأمل تلك الأعمال الخالدة التي حصدت جوائز كبرى على مدار السنين، ولم تكتفِ بالتميز الفني فحسب، بل ساهمت بشكل مباشر في تنمية عقل المواطن المصري، والتنبيه للكثير من حقوقه الأساسية، وإرشاده إلى كيفية انتزاعها والمطالبة بها، بل ومواجهة الخرافات المترسخة في وجدان البعض.

خذ على سبيل المثال التحفة السينمائية الخالدة "قنديل أم هاشم" (1968) للمخرج كمال الشيخ، المأخوذة عن رائعة يحيى حقي. هذا الفيلم الفائز بتقديرات رفيعة، والذي يُعد درساً سينمائياً في التنوير، غاص بجرأة شديدة في صراع أبدي بين العلم والخرافة داخل الحواري المصرية القديمة.

ناقش الفيلم ببراعة حالة "إسماعيل"، الطبيب العائد من لندن، والصدمة التي تلقاها حين وجد أهل شعبه يلجأون إلى "زيت قنديل أم هاشم

خذ على سبيل المثال ملحمة "البوسطجي" (1968) للمخرج الرائع حسين كمال، المأخوذة عن رواية يحيى حقي. هذا الفيلم لم يكن مجرد عمل درامي فاز بتقديرات نقدية وجوائز رفيعة، بل كان صرخة مدوية في وجه الظلم الاجتماعي والتهميش الذي يتعرض له البسطاء في القرى المصرية، مسلطاً الضوء على انتهاك حقوق النساء والضعفاء، وكيف يؤدي غياب العدالة الإدارية والمجتمعية إلى مآسٍ إنسانية. لقد أيقظ الفيلم وعي المشاهد بحتمية التمرد على القهر، وضرو

أريد حلاً (1975): سلط الضوء على معاناة المرأة في المحاكم للحصول على الطلاق، وساهم بشكل مباشر في تعديل قانون الأحوال الشخصية وإعادة النظر في حقوق المرأة.

جعلوني مجرماً (1954): تناول قضية الأحداث والمسبوقات القضائية، وساهم في إلغاء السابقة الأولى من الفيش والتشبيه لمنح المخطئ فرصة ثانية للاندماج في المجتمع.

كلمة شرف (1973): ناقش البعد الإنساني للسجناء، وساهم في تعديل قوانين مصلحة السجون للسماح للسجين بزيارة أهله في الحالات الإنسانية الشديدة.

ضد الحكومة (1992): ناقش قضايا الفساد والإهمال وإهدار حقوق المواطنين البسطاء، وأعلى من قيمة اللجوء للقضاء لحماية حقوق الأفراد أمام الهيئات والمؤسسات.

هي فوضى؟ (2007): حذر من تجاوزات السلطة والفساد الشرطي وتأثير ذلك على استقرار المجتمع ووعي المواطن بحقوقه.


أي رسالة أو تعليق؟

مراقبة استباقية

هذا المنتدى مراقب استباقياً: لن تظهر مشاركتك إلا بعد التصديق عليها من قبل أحد المدراء او المديرات.

من أنت؟
مشاركتك

لإنشاء فقرات يكفي ترك سطور فارغة.

الأعلى