حزني أنا...
مثل صرير الباب أنصت بصمت الى أوجاعي، حالات كثيرة يجبرني القدر على إرتداء الحزن جلدا فوق جلدي، يُخنق مسامات الأمل بأن تعطي لي إبتسامة، زقاق ضيق، غرفة معتمة تيار الكهرباء يشاركني سواد الظلمة يُسمعني عزفا بتأبين نعوش أيامي التي أمتازت بؤسا وعوزا وحزن...ها أنا أسوق أقدامي الى عالم الوحدة حيث ضفاف دجلة التي جفت مآقيها، لا تذرف الدمع إلا طوابير من أوجاع صراخها الذي يُفجع الموتى من الذين ينسلون دون ان يثيروا جلبة أو غبار.. تفتقد دجلة للنوارس التي حلت محلها الغربان... بغداد أصبحت ملوثة بعفن أنفاس الزمن، أمسك القدر بعصاه في بداية الأمر كي يغير الأمر .. لكن ودون أن يمنحني فرصة إستبدل عصاه بسوط جلاد، فراح يجلد الفرح، يدمي ظهره، يسلب منه الحياة ثم يُلقمة الحزن مثل طفل لأم ثكلى ترضع وليدها الحزن والحليب كي تصنع منه كتلة من آلام وأوجاع... عندليب لا يفقه من تغريده سوى الحزن، مثل ناي الراعي الذي يشكو براكين حزنه يغرقها بصوت ملك الموت وهو يئن أن الحياة فينا حزن سرمدي...
عادة ما أجلس على مسطبة متهالكة تلك التي انتظرت ان يعاد رصفها أو ترميمها، لكن آنى للحزن أن يسمح بذلك فعالم السواد بضاعة رائجة و النعوش كثيرة وملك الموت مسلط منجله كي يعتاش مهنته التي أمسك بدفتها فباتت بيوت الكثيرين منا أرض وادي السلام.. السلام الطمأنينة التي يفتقدها الجميع بعد أن فرك القدر راحتيه و وزع الدموع مياه شرب، إترع و أسكر ياهذا دون خمر فالحزن الذي تشربه يخرجك من عالم الأحلام الى عالم السبات الأبدي الحزن يا هذا ترياق النفوس .. معالج ذو نفع خيالي لكل الابتسامات المخادعة كل شيء تعيشه هو خداع بصري.. إلا الحزن هو الحقيقة التي نعيش في وسط عالمه دون ان يستجدي منا ضريبة نفعية، يا للكارثة بت أناجي جفاف دجلة التي تصحرت وما عادت تغسل شعرها بموج العاطفة أو الحب، ابتلعت شقوق بطنها كل تلك الصور وذكرييات من أحبوا رائحة العشق، تمزقت وريقات إبتلت بمياه عذبة، كان للملح دورا في زيادة الوجع و يد القدر تلكز جراح العاشقين بقوة تدميها حتى تتقرح فيزداد الوجع والألم، كم أردت أن ابوح له بأنه قد جار علينا حتى أنا بتنا نتمى الحزن كي يجمعنا بدل عن الفرح... فالفرح بات ينسب لعاهرات وقوادي الزمن، كثر الفساد وعم الخراب، فلا حماية لمن يمتلك الحزن قوت يومه أو رداء يستر عوزه، يا لله!!؟ كم أنت قاس أيها القدر، لم أشعر بالوقت يمضي حتى ربت عليّ رجل يمسك بعصا يتعكز عليها.. خالجني شعور غريب، بدا لي معروفا رحبت به، أفسحت له مجالا كي يجلس لكنه رفض، لم أعلق على غرابة رائحته التي كانت تفوح عندما يحدثني عن سبب جلوسي وحيدا في عالم مظلم موحش، سرد لي عن أيام كانت تعاشرني تضاجعني رغم أني أرفض ذلك بين قوسين كانت تغتصب حريتي وطموحي و أحلامي... إستمعت له و أنا أستغرب ما أسمع منه!!! كيف له أن يعرف ما لم لا أشارك فيه أنسي كان أم جني، هواجسي المغبونة كانت عالمي الموحش الذي أركن إليه كعشير، لم أشكو يوما بؤس حياتي، لم أذكر الحزن الذي يرتديني جلدا فوق جلد، مسامير العمر التي غرزت في جسمي كالمسيح لم أصرخ حين غرزت، جَلد المقارع التي كان تتسابق على ظهرِ لم أشكوها للسماء... حتى حجارة الساعات و عقارب الثواني التي تلدغ ذاكرتي كنت أستسيغها خمرا يسكرني، يضنيني، يسامرني إلا أن أغفو على وسادة مبتلة بدموع الوهم وحقيقة الوهم الذي يرتشفني مثل قهوة مرة وسيجارة عفنة مبتل نصفها، فسألته ماذا تريد أيها الغريب؟؟؟
إبتسم بحزن وهو يقول: أراك يا صاحبي تشكو الوحدة و الغربة في وطن لا تملك فيه سوى الألم والحزن، ألا تَمِلهُ.. تبكيه أبيات شعر وتغنيه بناي أبكم و أصم كزرياب، ما عاد الشعر موسيقى فرح بات الشعر أقرب للحزن والظلمة فعالمك مثل عالم الأغلب من هم على شاكلتك يمتلك الهوية لكنه لا يملك حرية الهوية، أنظر هناك الى تلك المجازر البشرية، إنظر الى الجهة المقابلة على اصوات التي تصدح بأن الدين بات وهجا يريح من يريدد ان يداوي جروحة غير ان الدين أفيون للعقول... لا يسمح من يرتادوه أن يجاريهم أحد، إنهم مخلوقات كتب على جباههم نحن صوت الخالق نحن خلفائه... نحن من اصحاب الخلود لا الأخدود...
عجبا يا هذا ماذا تريد مني!!؟ خرجت هربا من ظلمة نفسي و جلدي، أطبقت أنفاس أملِ بل أخمدتها مثلما وئدت الفرح حين ولد مصادفة، كنت أعلم أن لا أحد يسألني عنه، منذ زمن بعيد تراهن القدر مع مصيري فكسب الرهان وعقب الى نصيبي فكتم أنفاسه أما ما تركه لي قسمة ضيزى لا حول لي فيها أو قوة، شئت أم أبيت هي واقعة عليَّ ولم يكن لي الأختيار في وقوعِ عليها... لذا أرجوك إبتعد عني فرائحتك تكاد تخنقني....
لأول مرة أسمع ضحكة من وجه لا معالم له... سرت قشعريرة باردة وأصابع تمتد كالثلج تمسك بي وصوت يقول هيا تعال معي فعالمك الذي تراهن عليه القدر قد أوصاني بأن أحملك الى عالم السلام عالم ذلك الوادي حيث لا دموع تذرفها وبكاء تسمعه... علمت لحظتها أني ذاهب الى غير عودة، لم استغرب!! فكنت اتوقع ذلك، الذي أستغربته أنه أمر جلدي أن يفارقني يجلس على نفس المسطبة لينتظر غيري فالمشهد لا يخلو من عذاب محب او فراق صاحب، لأنه حزني أنا.
