الناقة الثكلى
رَأَيْنَاهَا عَلَى بُعْدٍ فَقُلْنَا
جَمَالٌ فِي دَلَالٍ فِي اغْتِرَارِ
تُقَرِّبُ خَطْوَهَا مِنَّا بِشَوْقٍ
وتَتْرُكُ إِخْوَةَ الْوَادِي الضَّوَارِي
تُقَرِّبُ مَا تُقَرِّبُ لَا تُبَالِي
فَدَبَّ الْخَوْفُ فِي قَلْبِ الصِّغَارِ
تَفَرَّسْنَا مَلَامِحَهَا بِقُرْبٍ
فَقَالَتْ وَالدُّمُوعُ لَهَا جَوَارِي
أَنَا أُمٌّ لَهَا وَلَدٌ رَضِيعٌ
تَخَطَّفَهُ الْمَنُونُ بِلَا انْتِظَارِ
وَظَلَّتْ تَدْمَعُ الْعَيْنَانِ مِنْهَا
وَفِي أَحْشَائِهَا بُرْكَانُ نَارِ
فَصِرْنَا مِنْ شِكَايَتِهَا حَيَارَى
نُرَجِّعُ فِي انْدِهَاشٍ وَاعْتِبَارِ
لَقَدْ نَطَقَتْ بِوِجْدَانٍ كَلِيمٍ
يُفَجِّرُ حُزْنَهَا فَقْدُ الْحُوَارِ
نُعَانِقُهَا لَعَلَّ الْحُزْنَ يَمْضِي
وَتَسْرَحُ فِي مَسَارِحِهَا الْقِفَارِ
لِتَعْبَثَ فِي الْحَيَاةِ فَلَا تُبَالِي
بِمَوْتِ الْأَقْرَبِينَ أَوِ الصِّغَارِ
كَكُلِّ الْعَابِثِينَ كَمَنْ كَرِهْنَا
فَلَيْلُهُمْ تَمَامًا كَالنَّهَارِ
فَتِلْكَ النَّاقَةُ الْعَجْمَاءُ قَالَتْ
وَأَوْجَبَ قَوْلُهَا كُلَّ اعْتِذَارِ
لَقَدْ أَفْصَحْتِ عَنْ دَرْسٍ بَلِيغٍ
وَأَصْمَى الْقَوْلُ أَصْحَابَ الجِوَارِ
لِيَبْقَى دَمْعُهَا نَهْرًا جَرِيئًا
يُعَلِّمُنَا بَلَاغَةَ الِاعْتِبَارِ
فَجَاءَتْ بِالْيَقِينِ مِنَ الْمَعَانِي
لِتَكْشِفَ سِرَّ حُبٍّ مُسْتَثَارِ
فَمَا قَدْرُ الْحَيَاةِ بِغَيْرِ حُبٍّ
يَقُودُ إِلَى سَلَامٍ وَازْدِهَارِ
أَرَى النَّاسَ اسْتَبَاحُوا كُلَّ فَضْلٍ
وَبَاعُوا النَّفْسَ فِي سُوقِ الْخَسَارِ
فَلَا عَهْدٌ، وَلَا صِدْقٌ، وَلَكِنْ
أُولُو وَجْهٍ قَبِيحٍ مُسْتَعَارِ
فَأَيْنَ دُمُوعُنَا لِلثَّكْلِ فِينَا؟
وَأَيْنَ الْعَدْلُ فِي هَذِي الدِّيَارِ؟
أَتَبْكِي النَّاقَةُ الثَّكْلَى وَلِيدًا
وَلَا نَبْكِي شُعُوبًا فِي دَمَارِ
فَقُلْ لِلْعَالَمِ الْحَيْرَانِ مَهْلًا
فَلِلتَّحْنَانِ قَدْ طَالَ انْتِظَارِي
