الاثنين ١٥ حزيران (يونيو) ٢٠٢٦
بقلم صالح مهدي محمد

الغبار

لم يمرَّ الزمنُ في تلك البقعة النائية بآلية العقارب، بل بكثافة الهباء الأزلي وهو يترسب فوق الأسطح الناتئة، مخلفاً جداراً يحجب الماهية عن الوجود. في ذلك التجويف الخشبي المطل على سحيق "وادي الصدى"، اتخذ نسيمٌ هيئة التماثيل الشاخصة، مطوقاً بكفيه الهرمتين كأساً من السائل الفاتر الذي فقد هويته، بينما تعلقت حدقتاه بخيط أثيري لامرئي عند خط الأفق؛ هناك حيث يلتهم الغسق بقايا الضياء بآلية هضمية بطيئة صامتة. ولم يكن تمظهر السكون السائد مجردَ فراغٍ سمعي، بل تجسد كياناً هلامياً يتنفس برتابة كونية، يمتص زفير العابرين ليحيله إلى رماد معلق في الفراغ.

انسل العم إدريس من وراء الظلمة، ساحباً خلفه مقعداً متهالكاً كأنه يسحب بقايا دهر منقضٍ، وبحركة دائرية ممعنة في التكرار، مسح الطاولة بخرقة بالية. ولم ينبعث فعله عن رغبة في التطهير، بقدر ما كان محاولة يائسة لكشط ملامح الأمس التي تكلست فوق الخشب. التفت نحو الفراغ المحيط بهما، وقذف بنبرة تشبه حفيف الأوراق الميتة في فيافي النسيان: "أما زلت تفك طلاسم الترانيم التي لم تجد طريقاً للنطق بعد؟"

تحرك رأس نسيم بزاوية طفيفة، كمن يزاحم ثقلاً من القرون الغابرة، ولم تلتقِ عيناه بعيني إدريس، بل نفذتا عبر ظله المتمدد على الجدار المطلي بالكلس، ووجّه كلماته إليه: "الأشياء التي تقتفي أثرنا لا تصاغ بالحروف يا إدريس، إنها تسكننا كأطياف نُفيت من قواميس الكينونة، ووجودنا هنا ليس إلا محاولة واهية لتقليص هذا الثقل الذي يتراكم في الصدور كالمقابر المعلقة."

في الزاوية السحيقة التي استوطنها الغبش، كانت ليلى تداعب الفراغ بأصابعها النحيلة فوق الطاولة، تخط مسارات لعزف أخرس لا يجد صدى إلا في تجاويف روحها؛ إذ غادرتها الترددات الصوتية منذ أمد، لكنها أصبحت تتلقى اهتزازات الجدران وارتعاشات الأثير.
وعلى مقربة من مدارها، كان ياسين يعبث بمرسمه، يخط بعنف دوائر سحرية متداخلة، في محاولة يائسة لاحتجاز ماهية الريح تلك الريح التي هجرت الوادي وتركت وراءها هذا الركود الثقيل.
باغت ياسين السكون، وحوّل نظراته الثاقبة نحوها، ثم مرر ورقة كُتبت بخط مهتز: "لماذا الاستمرار في تتبع إيقاعٍ انمحت أوتاره؟"

طالعت ليلى السطور، فارتسمت على ثغرها ابتسامة شاحبة كضوء قمر يحتضر خلف حُجب الغمام، وهمست بصوت يكاد يتلاشى: "لأن السكون هو الكيان الوحيد الذي لا يرتدي قناعاً، أما تلك الكلمات التي حسبناها نصوصاً مقدسة، فما هي إلا شباك نسجتها الحيرة لاقتناص هوامش الهوية."

ومع التئام شمل الليل، انبعث من قاع الوادي غبار غامر، متسللاً عبر الشقوق الدقيقة، ليغمر الأجساد الأربعة بغلالة سرمدية، محولاً الفضاء إلى لوحة تجريدية لم تتضح ملامحها بعد. نهض نسيم كمن يتحرك في ماء لزج، واتجه صوب النافذة، وألصق جبهته بالزجاج البارد، مصغياً إلى إيقاع خفي لا يدركه غيره، وقال دون أن يلتفت: "إنه يتلاشى.. الوتر الذي كان يربط جزيئاتنا يذوب الآن في الغبار المنتشر."

تيبست الأجساد الثلاثة في مواقعها، وسأله العم إدريس وهو يضغط بكفه على حافة الطاولة المتهالكة: "ما الذي يبتلعه هذا المدى؟"

فأجاب نسيم وهو يحدق في انعكاس ملامحه الهاربة على الزجاج: "تلك الهوية التي توهمنا امتلاكها، لسنا سوى مجازات منسية في رقيم بائد، والآن يستعيدنا الفراغ المطلق."

أطلق ياسين ضحكة مكتومة كحشرجة الزجاج المنكسر، ومزق أوراقه بعصبية متناهية: "إذن نحن مجرد أخيلة تعبث بها الاحتمالات؟ لست أبتغي تفسيراً، بل صرخة واحدة تبتر هذا التلاشي، صرخة لا يستوعبها الصدى."

خطت ليلى خطوات طقوسية نحو ياسين، ووضعت كفها الباردة فوق نبضه، وقالت بلهجة ممعنة في السرية والاستغراق: "الصرخة تولد وتفنى هنا، في هذا الخفقان المبهم الذي يأبى الانصياع لقوانين التفسير."

ثم أطبق الركود الأزلي على المقهى المعلق بكثافة تفوق الاحتمال بمقدارٍ يسير، حيث تداخلت الشخوص مع الضباب وتلاشت الحدود بين المادة واللاشيء، ولم يعد ثمة فارق بين المقاعد الخشبية والأجساد الجالسة عليها، تاركين وراءهم فضاءً مغلقاً، وكأساً انمحت تفاصيلها، وورقة بيضاء في كراسة ياسين لم يتبقَ فيها سوى أثر واهن لخط مستقيم يمتد نحو الأفق المجهول، متلاشياً في المدى المعتم.


مشاركة منتدى

  • الغبار: مصير وجودي
    الغبار بوصفه قدراً وجودياً: تأملات في التلاشي والهوية في قصة "الغبار"
    بقلم:
    محمود سلامه الهايشه ؛ كاتب وباحث مصري ؛ elhaisha@gmail.com

    تنتمي القصة القصيرة "الغبار" للكاتب صالح مهدي محمد إلى أدب السرد ذي الدلالة الفلسفية والرمزية. فهي لا تسعى إلى وصف حدثٍ ما كما هو معتاد في القصص القصيرة، بل تتناول قضايا وجودية تتعلق بالهوية والزمن من خلال فضاءٍ تجريديٍّ غنيٍّ بالدلالات الرمزية. وتتميز القصة بجوٍّ تأمليٍّ أشبه بالحلم أو الرؤيا، حيث يحلّ الحركة الداخلية محلّ الفعل الخارجي.

    منذ الجملة الأولى، يبرز ميل الكاتب إلى استخدام لغةٍ شعريةٍ بالغة: فمرور الزمن لا يحدث "بآلية العقارب" (بآلية الأيدي) بل "بكثافة الهباء الأزلي" (بكثافة الغبار الأبدي). وهكذا، يصبح الزمن مادةً ملموسةً تغطي الأشياء، كالغبار الذي يغطي الأسطح. ومنذ ذلك الحين، يبني الكاتب عالمه الذي لا يستقر فيه شيء، حيث يتلاشى تدريجيًا الخط الفاصل بين الواقع والشعر، والمادة والفراغ.

    ويُعدّ المكان أحد أبرز الأدوات الفنية المستخدمة في القصة. لا يُمثّل المقهى المُطلّ على "وادي الصدى" مجرّد مكان، بل رمزًا للوجود الإنساني. فهو يُجسّد فضاءً يقع بين الحضور والغياب، بين النسيان والذاكرة، مكانًا يُحاصر فيه الأبطال في زمنٍ راكدٍ مُنفصلٍ عن العالم. ونتيجةً لذلك، يُصبح الوادي نفسه امتدادًا للصمت المُحيط بالشخصيات، بينما يتحوّل الصدى إلى صورةٍ لعجز الأبطال عن إيجاد معنىً مُحدّدٍ لحياتهم.

    لا تُصوّر هذه الشخصيات الأربع - نسيم، وإدريس، وليلى، وياسين - كشخصياتٍ واقعيةٍ مُجسّدة، بل كأصواتٍ فكريةٍ أو رموز. يُصوّر نسيم شخصًا واعيًا، تُعذّبه التساؤلات الوجودية؛ ويُمثّل إدريس مُشاهدًا يُلاحظ تلاشي الزمن والذاكرة؛ وتُمثّل ليلى حساسية المرء تجاه الصمت والفراغ؛ وأخيرًا، يُصوّر ياسين مساعي الإنسان الحثيثة لإيجاد معنىً من خلال الفن والإبداع. باختصار، تُجسّد هذه الشخصيات الأربع جوانب مختلفة من السؤال نفسه: "ماذا يتبقى بعد زوال كل شيء؟"

    يُشكّل موضوع الهوية محور القصة. لا تدور الحوارات حول حقائق أو أحداث واقعية، بل حول طبيعة الذات وحدودها. يُوضح نسيم أن الأعباء التي نحملها ليست أعباء كلمات، بل استقرت فينا كأشباح منسية، ولذا، فإن إحساسنا بالهوية يتجاوز كونه مجرد مفهوم لغوي أو اجتماعي، بل هو أزمة وجودية تتراكم في داخلنا. تبلغ هذه التأملات ذروتها في المشهد الأخير، حين يُعلن أن هويتهم، التي ظُنّ أنها حاضرة، تتلاشى إلى غبار، ويصبحون مجرد "استعارات منسية على لوح زائل".

    في الواقع، تجدر الإشارة إلى أن القصة، من الناحية الفنية، تستخدم لغة بالغة التعقيد. فبدلاً من اتباع تقاليد السرد، تتسم اللغة المستخدمة بالشاعرية. على وجه الخصوص، تُستخدم صور متكررة: "ابتلع الشفق آخر أشعة الضوء"، "السكون كائن هلامي، يتنفس بإيقاع في رتابة كونية"، "الغبار - غطاء أبدي للكون". وهكذا، يخلق ذلك جوًا جماليًا في القصة؛ ومع ذلك، في الوقت نفسه، تجعل هذه اللغة من الصعب على القارئ العادي الذي يتوقع أسلوبًا أكثر وضوحًا وتقليدية تتبع الحبكة.

    أخيرًا، تجدر الإشارة إلى براعة توظيف الصمت كرمز في النص. فبالرغم من فقدانها لحاسة السمع، تظهر ليلى كشخصية قادرة على إدراك الأصوات المحيطة بها. ومن هنا، يمكن استنباط فكرة عميقة حول جوهر الأشياء، الذي قد لا يكمن في التعبير المباشر عنها بالكلمات، بل في الصمت الكامن وراءها.

    من الواضح تمامًا أن النهاية تتناغم مع البنية الفكرية للنص برمته. تختفي الشخصيات في الضباب والغبار، وتتحول أجسادها إلى خشب المقاعد، تاركةً وراءها خطًا رفيعًا يمتد إلى مكان ما في المجهول - تؤكد هذه الصور أن الفناء مفهوم أقوى من الخلود. ولكن في الوقت نفسه، لا بد من الاعتراف بأن هذا الخط الرفيع المتجه نحو الأفق يتيح مساحة للتأمل، وكأنه الرمز الأخير لتوق الإنسان إلى البحث عن الحقيقة رغم كل ما هو زائل. باختصار، تُقدّم قصة "الغبار" سردًا يتأمل وجوديًا في الزمن والنسيان وفقدان الهوية، مُجسّدًا ذلك في مفهوم بسيط هو الغبار. هذه قصة لا تعتمد كثيرًا على الأحداث والحبكة، بل تُركّز على اللغة والصور والأفكار. من هذا المنطلق، يُمكن اعتبارها مزيجًا بين قصيدة نثرية ومقال فلسفي، يكمن جمالها في تشجيعها للقراء على بناء معانٍ خاصة بهم، بدلًا من قبول تفسيرات جاهزة، ما يُفضي إلى السؤال المحوري والأهم: هل نحن ما نعتقد أننا عليه، أم مجرد غبار تائه في زحمة الزمن؟

أي رسالة أو تعليق؟

مراقبة استباقية

هذا المنتدى مراقب استباقياً: لن تظهر مشاركتك إلا بعد التصديق عليها من قبل أحد المدراء او المديرات.

من أنت؟
مشاركتك

لإنشاء فقرات يكفي ترك سطور فارغة.

الأعلى