الشجرة والصخرة
في سهل ناءٍ، وقرب جبل عالٍ، كانت هناك صخرة كبيرة وشجرة شمّاء تعيشان جنبًا إلى جنب.
وذات يوم، استفاقت الصخرة من نومها العميق، ولأول مرة، كأن الروح هبطت في أحشائها، فقالت للشجرة: ماذا تفعلين هنا؟
كانت الشجرة تحيا منذ القدم، تشرب من نبع ماء قريب، وتأكل من باطن الأرض، وتستمد طاقة الحياة من نور الشمس.
فقالت بدهشة واستغراب:
كأنك أُحييتِ من الموت، تكلمتِ وتسألين بالصوت، لكن ما زال الجسد جمادًا.
أنا هنا منذ القدم. كنتُ بذرةً فألقتني الرياح ها هنا، ثم جاء المطر، فالتهمتني التربة، فنهضت من الأعماق، وكأن الحياة دبّت بي. كنت صغيرة جدًا، مجرد شجيرة ضعيفة، إلى أن بدأت أكبر ثم أكبر، وصرت شجرة عظيمة. مرة أزهر، ومرة أورق، ومرة أصاب بالذبول والوهن، ومرة أخرى أتعرّى من الأوراق، وهكذا إلى أن أصبحت شامخة قوية البنيان.
قالت الصخرة:
هل تتذكرين شيئًا عن حياتي؟
قالت الشجرة:
أتذكر بأنك كنت كما أنت، لم تتغيري. كنت ساكنة هادئة، تقارعين الرياح والبرد والصقيع، والحق أقول بأنني احتميت بك من عوامل الطقس المختلفة، وربما بسببك أنا الآن ها هنا، أشمخ بقوة وأتأمل جمال هذه الطبيعة الشاسعة.
رأيتُ أطفالًا يصعدون على ظهرك ويلعبون، وبعض الرجال يجلسون في ظلك ويتسامرون. أنت في الحقيقة صخرة جميلة ومسالمة، رغم ما تملكين من قساوة ظاهرة.
استغربت الصخرة من كلامها، لكنها لم تكن تعلم بكل هذه الأشياء، ثم قالت: يا جارتي التي تعطيني الفيء والأنس والاطمئنان، رغم أنك ترينني قاسية الجسد، إنما أنا طيبة القلب، لا أؤذي أحدًا.
قالت الشجرة:
صدقت أيتها الصخرة، فأنا هنا منذ القدم، ولم أسمع عنك إلا كل خير، ولم أرَ منك القساوة، إنما الهدوء التام.
قالت الصخرة:
شكرًا لك على أي حال، وأشكر ربي على أنك جارتي، ففيك الحياة والجمال، وفيك الطيبة والبركة.
ثم مرّ رجل بالصدفة بالقرب منهما، فقال: هنا الحياة والموت يجلسان جنبًا إلى جنب، ولكنهما لا يتصارعان.
أما الشجرة والصخرة، فكانتا تنظران إلى الرجل، ثم تهمسان وتتسامران، بينما كانت الطبيعة تنبض بالروح في إيقاع خاص، كل يحيا بالنور تحت ضوء الشمس، دون تمرد ودون عراك، إنما في احترام متبادل لا ينتهي.
